آراء و ومقالات

سوريا ((الجديدة)) كل الطرق تؤدي إلى الرئيس

محمد عباس
في سوريا الجديدة، يبدو أن العبقرية السياسية وصلت إلى مرحلة غير مسبوقة من التطور، إذ لم يعد هناك داعٍ لكل ذلك الإرهاق التاريخي الذي عانت منه البشرية في اختراع مفاهيم معقدة مثل فصل السلطات أو التوازن بين المؤسسات أو الرقابة المتبادلة. كل هذه التفاصيل المملة جرى تجاوزها بإنجاز دستوري خارق: وضع الدولة كلها في جيب رجل واحد، ثم تسميتها “مرحلة انتقالية”.
لقد نجحت السلطة أخيراً في حل معضلة السياسة التي حيّرت الفلاسفة منذ أفلاطون وحتى اليوم. لماذا نضيع الوقت في انتخابات حقيقية قد تأتي بنتائج مزعجة، بينما يمكن اختصار الطريق بالكامل؟ الرئيس يعيّن لجنة الانتخابات، ولجنة الانتخابات تعيّن الهيئات الناخبة، والهيئات الناخبة تنتخب أعضاء مجلس الشعب، والرئيس بدوره يعيّن ثلث المجلس مباشرةً. إنها دائرة عبقرية من الثقة المتبادلة، تشبه تماماً أن يكتب الطالب أسئلة الامتحان لنفسه ثم يصحح الورقة ثم يمنح نفسه شهادة تفوق مع مرتبة الشرف.
ما يسمى “مجلس الشعب” في هذه النسخة الحديثة من الدولة ليس مؤسسة تشريعية بقدر ما هو مجموعة واتساب موسعة لإرسال الموافقات الجماعية، فلا أحد انتخب من الناس فعلياً، ولا أحد يملك شرعية مستقلة، والجميع يعرف جيداً أن سقف الطموح السياسي هو القدرة على التصفيق بإيقاع ثابت دون تأخير.
حتى فكرة الانتخابات نفسها جرى تطويرها بشكل يليق بالعصر. ففي الأنظمة التقليدية القديمة كان الشعب يذهب لينتخب ممثليه مباشرة، وهذا طبعاً نموذج بدائي وفوضوي وغير مضمون النتائج. أما هنا، فالشعب يُعفى من هذا العبء المرهق، وتُمنح المهمة لهيئات ناخبة يجري اختيارها بعناية فائقة من قبل لجنة معينة مسبقاً من الرئيس، حفاظاً على الصحة الوطنية ومنعاً لأي تسرب مفاجئ للديمقراطية.
‎إنها ديمقراطية معقمة بالكامل، خالية من الجراثيم السياسية، لا مفاجآت فيها ولا معارضة ولا صداع. كل شيء يسير بانسيابية مذهلة، لأن الجميع يعرف النتيجة قبل أن تبدأ اللعبة. وهذه ميزة عظيمة طبعاً، فبدلاً من هدر الأموال على حملات انتخابية وبرامج سياسية وصناديق اقتراع حقيقية، يمكن اختصار العملية كلها في بيان رسمي وبعض الصور التذكارية والتصفيق الحار.
أما إذا ما عدنا للإعلان الدستوري نفسه، فيبدو وكأنه خدمة “تفصيل حسب الطلب”. دستور مرن للغاية عندما يتعلق الأمر بصلاحيات الرئيس، وقاسٍ للغاية عندما يتعلق بأي رقابة عليه. فالرجل لا يكتفي بإدارة السلطة التنفيذية، بل يطل برأسه الودود من فوق كل السلطات الأخرى أيضاً، كأنه مدير عام لدولة خاصة محدودة المسؤولية، مع مجلس إدارة من الموظفين المخلصين.
والمثير للإعجاب حقاً هو هذا الإصرار البطولي على تسمية كل شيء بأسماء معاكسة تماماً لوظيفته. فالتعيين يصبح انتخاباً، والطاعة تصبح تمثيلاً شعبياً، والاحتكار يصبح استقراراً، وغياب السياسة يصبح إنجازاً وطنياً. حتى المواطن نفسه تحوّل إلى كائن رمزي يُستحضر فقط في الخطب، بينما يجري اتخاذ كل القرارات نيابة عنه، حفاظاً على راحته النفسية على ما يبدو.
‎في سوريا الجديدة، لم يعد المواطن بحاجة للتفكير كثيراً. هناك قيادة تفكر عنه، ولجان تختار عنه، ومجلس يصفق عنه، وإعلام يشرح له لماذا يجب أن يشعر بالسعادة وهو يشاهد الدولة تتحول إلى نسخة فاخرة من الإدارة الفردية المطلقة. إنها دولة حديثة جداً لدرجة أنها قررت تجاوز كل تعقيدات الجمهورية والعودة مباشرة إلى الفكرة الأبسط: شخص واحد يعرف كل شيء، يقرر كل شيء، ويعيّن الجميع كي يوافقوه الرأي بكل حرية.
‎والأجمل من ذلك كله أن هذا النموذج يقدم نفسه باعتباره انتصاراً للدولة، بينما هو عملياً إعلان رسمي عن غيابها. فالدولة الحقيقية تقوم على المؤسسات، أما حين تصبح المؤسسات مجرد ديكور حول الحاكم، فنحن لا نعيش في جمهورية ولا حتى في نظام سياسي بالمعنى التقليدي، بل في نسخة مطورة من “شركة عائلية” ضخمة تملك علماً ونشيداً وطنياً ومجلس شعب وظيفته الأساسية رفع الأيدي في الوقت المناسب.
هكذا تتحقق المعجزة السورية الجديدة: تحويل الاستبداد من مشكلة سياسية إلى إجراء إداري روتيني، وتقديم السيطرة الكاملة على أنها “إنقاذ وطني”، وكأن البلاد بعد كل هذه السنوات من الكارثة لم تكن تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد ومؤسسات مستقلة، بل إلى استبدال نظام استبدادي بدون لحى بنظام استبدادي وشمولي بلحاً طويلة …

الآراء الواردة في هذا المقال هي للكاتب ولا تعكس بالضرورة الموقف التحريري للحركة.
محمد عباس

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى