آراء و ومقالات

حقوق الشعب الكردي في سوريا بين المرسوم الرئاسي والفراغ الدستوري: نقد قانوني وسياسي لإرث الإقصاء والتغيير الديمغرافي


محمد عباس

المرسوم رقم (13) لعام 2026 الذي أصدره الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع ليعترف بأن المواطنين الكرد السوريين جزء أصيل من الشعب السوري ويمنحهم حقوقاً لغوية وثقافية ووطنية، هو بلا شك محاولة لإصلاح بعض أخطاء الماضي والتاريخ الطويل من التمييز، لكنه من الناحية القانونية والسياسية والاجتماعية يثير الكثير من القضايا التي تجعله أقل قوة وإلزاماً مما كان يجب أن يكون، خصوصاً إذا ما قورن بـ الإعلان الدستوري السوري المؤقت الذي صدر في مارس 2025، إضافة إلى أنه يتجاهل أبعاداً حاسمة مثل التغيير الديمغرافي الذي مثلته سياسات مثل مشروع الحزام العربي في حقبة حافظ الأسد.

من الناحية القانونية والدستورية، لا يمكن فهم هذا المرسوم بمعزل عما سبقه من وثيقة دستورية، فالإعلان الدستوري المؤقت الذي وقّعه أحمد الشرع في 13 مارس 2025 يُعد الوثيقة القانونية العليا خلال المرحلة الانتقالية قبل كتابة دستور دائم. هذا الإعلان استُخدم كإطار عام لتنظيم الحكم، وتحديد دور السلطات، وضمان الحقوق والحريات الأساسية، وقد أثار جدلاً واسعاً حتى قبل صدوره، فقد رفضته جهات كردية ومنظمات حقوقية لعدم احتوائه على ضمانات كافية لحقوق كافة المكونات السورية، معتبرين أنه يغفل التنوع القومي والثقافي بشكل واضح، وأنه لم يدمج حقوق الشعب الكردي واللغات غير العربية ضمن النصوص الأساسية، مما يضعف موقع هذه الحقوق في الإطار الدستوري نفسه.
الفرق الأساسي بين الإعلان الدستوري المؤقت والمرسوم الرئاسي رقم (13) هو في المرتبة القانونية والقوة الإلزامية للنص. الإعلان الدستوري يُعد بمثابة إطار دستوري يُحدد صلاحيات الدولة ويضع المبادئ الأساسية للحكم والنظام السياسي، لذا نصوصه تُعتَبر أعلى في هرم القواعد القانونية خلال المرحلة الانتقالية مقارنة بأي مرسوم تنفيذي. بينما المرسوم الرئاسي هو تشريع تنفيذي أقل مرتبة، يُطرح لمعايير تنفيذية جزئية دون أن يكون جزءاً من الهيكل الدستوري نفسه. من الناحية القانونية كان الأجدر أن تُدرَج المواد المتعلقة بحقوق الشعب الكردي ضمن نص الإعلان الدستوري ومن بعده دستور دائم لاحق، لاعطائه القوة الملزمة العليا، لأن الدساتير تحدد المبادئ الأساسية للحقوق والحريات، ولا يمكن تعديلها بسهولة إلا بإجراءات دستورية واضحة، بينما المراسيم يمكن تعديلها أو إلغاؤها بمرسوم آخر أو قانون عادي في أي وقت دون عملية تشريعية معقدة. هذا يُضعف من ثبات وحماية الحقوق المعلنة في المرسوم مقارنة بما لو أُدرجت داخل الإعلان الدستوري نفسه، مما يثير تساؤلات جوهرية عن حماية هذه الحقوق على المدى الطويل في دولة تنشد الانتقال إلى حكم يضمن العدالة والمساواة.
من الناحية السياسية، يأتي المرسوم في ظرف حساس للبنية السياسية السورية الجديدة بعد سقوط النظام السابق، وقد فُرض كحل تقني لمعالجة خلافات داخلية مع القيادة الكردية وكيانات مثل قوات سوريا الديمقراطية. لكنه لا يعالج المشكلات السياسية الهيكلية التي أبرزها الإعلان الدستوري المؤقت نفسه، الذي انتقده ممثلي الشعب الكردي لكونه يغفل الاعتراف المتساوي بكل المكونات وبدلاً من ذلك يُركز على تركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية، ما أثار مخاوف من تراجع استقلالية البرلمان والقضاء وضعف الضمانات ضد مركزية الحكم.
العجز السياسي في الإعلان الدستوري انعكس على شكل المرسوم؛ بحيث جاء الأخير لتصحيح أخطاء تاريخية جزئية مثل تجريد مواطنين من الجنسية والتمييز ضد اللغة والثقافة الكردية، لكنه لم يدمج هذه التصحيحات بـ هيكل سياسي دائم ومؤسسي. من هنا يمكن القول إن المرسوم رغم رمزيته السياسية، فهو أضعف من أن يعالج الخلل السياسي البنيوي في النظام الانتقالي. الحقوق المعترف بها يمكن أن تسقط أو تتراجع بتغيّر الأوضاع السياسية، لأن الإعلان الدستوري نفسه لم يدمج كل هذه الحقوق بشكل صريح وكامل؛ وكان هناك رفض كردي واسع لهذا الإعلان واعتباره يفتقر إلى ضمانات العدالة والمشاركة الحقيقية.

من الناحية الاجتماعية والتاريخية، لا يكفي الاعتراف القانوني بالهوية واللغة وغيرها إذا لم يتم وضع آليات تنفيذ واقعية لمعالجة إرث طويل من التهميش والممارسات التمييزية. إحدى أبرز هذه الممارسات كانت سياسات التغيير الديمغرافي التي اتبعتها أنظمة الحكم السابقة خلال عهد حافظ الأسد، وكان أشهرها ما عرف بـ مشروع الحزام العربي في محافظة الحسكة. حيث كان يهدف هذا المشروع إلى تغيير التركيبة السكانية من خلال إنشاء مستوطنات لسكان من خارج المنطقة على حساب الأراضي التي كانت ملكاً للفلاحين من الشعب الكردي، بهدف تفتيت النسيج القومي الطبيعي وتقليص النفوذ الكردي في المناطق الحدودية. هذه السياسات لم تكن مجرد إجراءات إدارية عابرة، بل تغيّرات ديمغرافية منهجية أثرت بشكل عميق في المجتمع وأدت إلى تهجير آلاف، وتبديل ملامح المجتمعات المحلية، وما زال إرثها يؤثر في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية ضمن المجتمع السوري.

من هنا، الاعتراف بالهوية الكردية الثقافية فقط في هذا المرسوم لا يعالج بالكامل الانعكاسات الاجتماعية والسياسية العميقة لتلك المشاريع التي استهدفت تغيير التركيبة في مناطق حساسة. الحقوق اللغوية والثقافية ونيل الجنسية واستعادة الهوية الوطنية شأن مهم، لكنه لا يكفي إذا لم يُصاحب ذلك إصلاحات شاملة تشمل العدالة الانتقالية، إعادة توزيع الأراضي، إصلاح التعليم، وتمثيل سياسي حقيقي.

من كل ذلك يصبح واضحاً أن المرسوم رقم (13) يُمثل تقدماً رمزياً وأدنى درجة من الاعتراف القانوني مقارنة بما كان ينبغي أن يُدرج في الإعلان الدستوري أو الدستور الدائم، وأنه بينما يعالج بعض تبعات التمييز التاريخي، فهو لا يمنحها حماية دستورية قوية ولا يحل الإشكالات السياسية والاجتماعية العميقة المتجذرة في المجتمع السوري بعد عقود من التهميش والتغيير الديمغرافي الممنهج.

إذا كان الهدف الحقيقي هو تحقيق العدالة والمساواة والاستقرار السياسي والاجتماعي، فإنه كان من الضروري أن تُضمّن الحقوق الأساسية للشعب الكردي ضمن الإعلان الدستوري نفسه عن طريق تعديله ومن بعده ضمن دستور دائم يتمتع بقوة أعلى وشرعية أوسع، مع آليات واضحة للإنفاذ والتعويض عن الأضرار التاريخية، بدلاً من اعتماد مرسوم تنفيذي قد يتعرض لسحبٍ أو تعديل في المستقبل مع أي تغيّر في التوازنات السياسية في البلاد
باختصار، المرسوم رقم (13) لعام 2026 قد يكون خطوة قانونية تقدّمية على مستوى عناوين المساواة والاعتراف بالهوية، لكنه يفتقد إلى القوة القانونية والسياسية التي تمنحها وثيقة دستورية مؤسسة وقاعدة دستورية قوية. من دون تثبيت هذه المبادئ في أعلى نص دستوري حاكم، يمكن أن يُنظر إلى المرسوم على أنه إجراء تكتيكي واستعراضي سياسي أكثر من كونه إصلاحاً دستورياً حقيقياً، كما أنه لا يعالج بصورة كافية التحديات الاجتماعية الحقيقية التي يواجهها الشعب الكردي داخل سوريا، ولا يضع آليات واضحة لحماية هذه الحقوق في المستقبل بشكل فعّال ومستدام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى