الكردية والسورية في ميزان الاعتراف: هويةٌ تُطالِب بالمساواة الدستوريّة لا بالمفاضلة

بقلم محمد عباس
إن تمسّك الكردي السوري بهويته الكردية قبل انتمائه السوري لا يمكن قراءته خارج السياق السياسي والرمزي الذي عرّفت فيه الدولة نفسها، ولا خارج ازدواجية المعايير التي حكمت فهم الهوية والانتماء في الخطاب العام السوري. فالشعب الكردي، بوصفه شعباً أصيلاً ومتجذّراً في الجغرافيا السورية (التي قسمت جغرافيته على أربعة دول)، لم يكن يوماً خارج هذا الوطن، لكنه وُضع مراراً خارج تعريفه الرسمي. هذا الإقصاء لم يكن حادثاً عرضياً، بل نتيجة مسار طويل قامت فيه السلطات المتعاقبة على أولوية قومية واحدة، وقدّمتها بوصفها الهوية الوطنية الجامعة.
منذ تأسيس الدولة السورية الحديثة، جرى تثبيت العروبة في صلب تعريف الدولة، ليس فقط كثقافة أو لغة سائدة، بل كهوية سياسية متقدّمة على الهوية الوطنية نفسها. تسمية البلاد بـ«الجمهورية العربية السورية» ليست تفصيلاً لغوياً، بل دلالة سياسية واضحة على تسبيق الانتماء العربي على الانتماء السوري. فالعربية جاءت أولاً، والسورية جاءت تالياً، في إقرارٍ دستوري بأن الدولة تعرّف نفسها كعربية قبل أن تكون وطنية جامعة. هذا التعريف يعني، ضمناً، أن العربي السوري مُعترف به عروبياً قبل أن يُعرَّف كمواطن سوري، وأن العروبة ليست مجرد مكوّن من مكوّنات البلاد، بل الإطار الناظم لهويتها الرسمية.
في هذا السياق، يصبح من الطبيعي أن يتمسّك العربي السوري بعروبته قبل سوريته دون أن يُساءَل أو يُتَّهم في وطنيته، لأن السلطات المتعاقبة التي سيطرت على الدولة نفسها شرعنت هذا الترتيب الهويّاتي. غير أن المفارقة تظهر حين يُطرح السؤال ذاته على الكردي السوري: «هل أنت كردي أم سوري؟» وهو سؤال يحمل في جوهره افتراضاً إقصائياً، وكأن الكردية نقيض للسورية، أو وكأن الكردي مطالب بإلغاء هويته القومية كي يُعترف به كمواطن. هذا السؤال، الذي يتكرر في الخطاب العام، يكشف خللاً عميقاً في فهم الهوية الوطنية، ويعكس عدم قبول مبدأ المعاملة بالمثل.
الجواب الطبيعي والمنطقي على هذا السؤال ليس متناقضاً ولا انفصالياً، بل هو جواب جامع: نحن كرد سوريون. غير أن التأكيد على أن الكردية تسبق السورية في الوعي الهويّاتي للكردي لا يأتي من باب التعالي على الانتماء الوطني، بل من باب المعاملة بالمثل. فإذا كانت الدولة، ومعها جزء كبير من الخطاب العربي السائد، تُقرّ عملياً بأن العروبة تسبق السورية، فلماذا يُستنكر على الكردي أن يقدّم كرديته قبل سوريته؟ ولماذا يُنظر إلى هذا الترتيب بوصفه تهديداً للوطن، بينما يُعدّ الترتيب ذاته مشروعاً ومقبولاً حين يتعلق بالعروبة؟
إن الشعور المتزايد لدى الكردي السوري بعدم الانتماء لا ينبع من رفضه لسوريا، بل من إحساسه بأن سوريا، بصيغتها الدستورية والسياسية، لم تعترف به يوماً على حقيقته. فالدولة التي لا تعترف بوجود الشعب الكردي بوصفه مكوّناً قومياً أصيلاً، ولا تعترف بلغته وثقافته وذاكرته الجماعية، لا يمكن أن تطلب ولاءً وطنياً كاملاً دون أن تقدّم مقابله اعترافاً متساوياً. الهوية الوطنية لا تُبنى على الإنكار، ولا تُفرض عبر هوية أحادية، بل تنشأ من شعور المواطن بأن الدولة تعكسه كما هو، لا كما تريد له أن يكون.
وحتى في المراحل اللاحقة التي شهدت تحولات سياسية كبرى، بقيت البنية الدستورية والقانونية على حالها، دون مراجعة جذرية لمعنى الدولة وهوية الوطن. استمر تعريف الجمهورية بوصفها عربية، واستمرت اللغة العربية لغةً رسمية وحيدة، واستمر تجاهل الوجود القومي الكردي. هذا الثبات في الإقصاء أعاد إنتاج الإحساس نفسه: أن الكردي حاضر في الجغرافيا وغائب في الدولة، موجود في المجتمع ومُغيَّب في النص القانوني.
من هنا، فإن تمسّك الكردي السوري بكرديته قبل سوريته ليس فعلاً عدائياً ولا تعبيراً عن قطيعة مع الوطن، بل نتيجة منطقية لبنية دولة قدّمت هوية قومية واحدة بوصفها معيار الوطنية. ما دام الاعتراف بالعروبة يسبق الاعتراف بالسورية في تعريف الدولة، فإن مطالبة الكردي بالتخلي عن كرديته أو تأجيلها تُعدّ مطالبة غير عادلة، وتتعارض مع أبسط مبادئ المساواة والحقوق المجتمعية لشعب عريق ضارب بجذوره عمق التاريخ. إن إعادة بناء الانتماء الوطني السوري لا يمكن أن تتحقق إلا عبر الاعتراف الصريح بأن سوريا وطن متعدد القوميات، وأن الشعب الكردي جزء أصيل منه، لا ملحقاً به ولا استثناءً داخله.



