آراء و ومقالات

ديمقراطية القطيع: كيف تقتل الولاءات الضيقة مفهوم الدولة؟


محمد عباس
تُعدُّ الديمقراطية في جوهرها الفلسفي والسياسي أرقى ما تفتق عنه العقل البشري لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وضمان تداول السلطة سلمياً، إلا أن استنبات هذه النبتة الغربية الرقيقة في تربةٍ غزاها الجهلُ واستوطنها التخلفُ القيمي لا يُنتج ثماراً طيبة، بل يؤدي في أغلب الأحيان إلى ما يمكن تسميته “ديكتاتورية الغوغاء” أو “فوضى المكونات” التي تُحيل الوطن إلى أشلاء ممزقة. إن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تتحول صناديق الاقتراع من وسيلة لاختيار الأكفأ والبرامج التنموية الشاملة، إلى مجرد أداة لإحصاء الرؤوس بناءً على انتماءات ما قبل الدولة، حيث يغدو الصوت الانتخابي رهينةً للولاء الطائفي أو العرقي أو العشائري، مما يجعل الدولة مسرحاً لصراع الهويات الضيقة بدلاً من أن تكون خيمةً للمواطنة الجامعة، وهنا يكمن المقتل؛ فالديمقراطية بلا وعي مجتمعي هي مجرد تشريع للفوضى بختم شعبي.
وفي المجتمعات التي يغيب فيها الوعي السياسي وتتفشى فيها الأمية الثقافية، تصبح الديمقراطية معولاً لهدم مؤسسات الدولة وتفتيت نسيجها الاجتماعي، لأن الناخب في هذه البيئة لا يبحث عن “الرجل المناسب” الذي يمتلك رؤية اقتصادية أو سياسية لإنقاذ البلاد، بل يبحث عن “الرجل الذي يشبهه” في المذهب أو القبيلة أو العرق، حتى وإن كان هذا القائد يفتقر إلى أدنى مقومات النزاهة أو الكفاءة، مما يؤدي بالضرورة إلى تدوير الفشل والفساد تحت غطاء الشرعية الشعبية الزائفة، حيث يُصبح الانتماء للهوية الضيقة صك غفران يمحو كل خطايا المسؤول، ويمنحه حصانة شعبية نابعة من العاطفة العمياء لا من العقل والمنطق.
وإذا ما استعرضنا النماذج الواقعية التي جسدت هذا الانزلاق المريع نحو الهاوية، نجد أن العراق يمثل الجرح الأبرز والأكثر إيلاماً في الذاكرة الحديثة؛ إذ تحولت الديمقراطية هناك بعد عام 2003 إلى نظام “محاصصة” مشوه كرس الطائفية كقاعدة أساسية للحكم، فغابت هيبة الدولة وحضرت سطوة المكونات، وباتت الوزارات والمناصب غنائم تُوزع على أسس مذهبية وعرقية، مما أدى إلى شلل تنموي هائل وفساد مؤسساتي أسطوري أعاد بلاد الرافدين عقوداً إلى الوراء، وجعل من الصراع على السلطة صراعاً وجودياً بين طوائف تخشى بعضها البعض، بدلاً من أن يكون تنافساً شريفاً على خدمة المواطن.
ولم يكن المشهد في مصر قبل عام 2013 ببعيد عن هذا المنزلق الخطير، حيث أفرزت الديمقراطية الوليدة استقطاباً حاداً ومؤلماً بين تيار ديني يرى في الحكم تمكيناً لأيديولوجيته وإقصاءً لمخالفيه، وبين قوى مدنية ومؤسساتية متوجسة من فقدان هوية الدولة، مما جعل الصراع يتركز حول “الهوية” وتفاصيل العقيدة لا حول “النهضة” وتفاصيل الاقتصاد، فكادت الدولة المصرية العريقة أن تنزلق نحو نفق مظلم من الانقسام المجتمعي الذي يهدد كيانها الوجودي، بعدما أصبحت صناديق الاقتراع وسيلة لفرض نمط حياة واحد على مجتمع متنوع، وهو ما يعكس كيف يمكن للجهل بأسس التعايش أن يحول الديمقراطية إلى أداة قمع “شرعية”.
أما في المشهد السوري المعقد والمثقل بالجراح، فإن الحديث عن انتقال ديمقراطي في ظل هيمنة العصبيات الطائفية يطرح إشكالية مريرة تتجاوز مجرد تغيير النظام؛ إذ نجد قطاعات واسعة تقع في فخ “التشبيح” والموالاة العمياء لرموز أو فصائل لمجرد انتمائها المذهبي، كما هو الحال لدى بعض الأوساط التي قد تصفق وتطبل لحكم “العرب السنة” أو تدافع عن تجاوزاتهم لمجرد الانتماء الهوياتي، متجاهلةً بشاعة الجرائم أو غياب العدالة أو حتى المجازر التي قد تُرتكب، وهو ما يثبت أن الجهل حين يمتزج بالديمقراطية يحول الضحية السابقة إلى جلاد محتمل، ويجعل من الحرية مجرد وسيلة لاستبدال مستبد بآخر يرتدي ثوب الطائفة ويحتمي بقدسيتها المصطنعة، مما يفرغ الثورات من مضمونها الأخلاقي ويحولها إلى مجرد صراع على من يملك حق التنكيل بالآخر.
إن هذه التجارب المريرة تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن الديمقراطية ليست مجرد إجراءات شكلية أو طوابير انتخابية أو صناديق زجاجية، بل هي ثقافة مجتمعية عميقة تسبق ممارسة الحكم وتتطلب نضجاً فكرياً يقدس المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وبدون تعليم حقيقي ومنظومة قيمية تفكك الأغلال العشائرية والدينية، تظل الديمقراطية في المجتمعات المتخلفة بمثابة انتحار جماعي بطيء. فالحرية في يد الجاهل كالمبضع في يد غير الجراح، لا تؤدي إلا إلى النزيف، والولاءات الفرعية التي تتقدم على الولاء المطلق للوطن ستبقى دائماً حجر عثرة أمام أي تقدم، بل إنها تشرعن الفوضى وتمنح القتلة والفاسدين فرصة البقاء في السلطة باسم “رغبة الشعب” المضلل.
وفي نهاية المطاف، يجد الوطن نفسه عالقاً في دوامة عبثية من التراجع الحضاري، حيث تُهدر الثروات في صراعات بينية وتُقمع العقول المبدعة لصالح الموالين والمطبلين، ويبقى المجتمع يدور في فلك الانتماءات الضيقة التي تزداد انغلاقاً مع كل دورة انتخابية، ليدفع الجميع ثمن ممارسة سياسية فرغت من مضمونها القيمي وتحولت إلى أداة لتمزيق النسيج الوطني بدلاً من حمايته. إن الاستنارة والوعي الجمعي هما الشرط الشارط لأي ديمقراطية ناجحة، وبدونهما سنظل نحصد الخراب تحت مسميات براقة، ونستبدل القيود الحديدية بقيود من الأوهام التي تجعل الإنسان يبارك سجانة الجديد لمجرد أنه من قبيلته أو طائفته.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى