أخبار الحركةبيانات و توضيحات

سـوريا بعد سـنة من سـقوط نظام الأسد قراءة تقييمية وتقدير موقف

حركة آزادي الكُردستاني في سوريا:

بسقوط نظام الأسد وحلول سلطة جديدة محله، دخلت سوريا سنة تحوّلات كبيرة: سقوط مركز قوى استبدادي فتح فسحة سياسية رمزية، لكن في المقابل تفجرت مخاطر انقسام محلي، انتهاكات واسعة، تزايد نفوذ جهات إقليمية، وانهيار اقتصادي إنساني يهدّد الجميع..

ملخّص للوقائع الميدانية والسياسية:

في صبيحة الثامن من كانون الأول/ ديسمبر من العام الماضي 2024 سقط نظام الأسد، وسقطت معه آليات الهيمنة التي كان يستند عليها، وتبعت ذلك سلسلة أحداث أدت إلى تشكّل حكومة مؤقتة ترأسها محمد البشير، واعتُبرت نهاية النظام بداية مرحلة انتقالية جديدة في سوريا. وأعلنت السلطة المؤقتة جدولًا مرحليًا للانتقال (مؤتمر حوار و«مرحلة انتقالية» وصياغة دستور وانتخابات لاحقة)، لكن تجارب تطبيق هذه الآليات كانت متقلبة، كان إحداها انعقاد «مؤتمر الحوار الوطني» وإقصاء فواعل وطنية رئيسية، وتحويله إلى إطار شكلاني انتقدته جهات داخل البلاد وخارجها.

ففي 29 كانون الثاني/ يناير 2025 عُقد ما سمي بـ «مؤتمر النصر» كاجتماع تأسيسي لإعلان انتهاء حقبة نظام الأسد وبدء المرحلة الانتقالية. خلاله أعلنت السلطة الجديدة حلّ مؤسسات من زمن النظام السابق (من ضمنها هياكل الجيش والأحزاب التقليدية) وتولّي أحمد الشرع مهام رئاسة المرحلة الانتقالية مع تفويض واسع لوضع أسس النظام الجديد وإدارة المرحلة السياسية والأمنية الأولى. وفي 25 فبراير/ شباط 2025 انعقد ما سمي بـ «مؤتمر الحوار الوطني»، باستبعاد مقصود لممثلي المكونات السياسية والمجتمعية السورية، وببيان معَدّ سلفاً جاء ليصادق على ما أنتجه «مؤتمر النصر». وفي 13 مارس/ آذار 2025 صدر الإعلان الدستوري الذي حدّد إطار المرحلة الانتقالية ومدة مبدئية (خمس سنوات بحسب النص) وآليات للانتقال إلى دستور دائم وانتخابات لاحقة. هذا الإعلان الذي جمع السلطات في يد الرئيس الانتقالي جاء مخالفاً تماماً لاتفاق 10 آذار الذي وقعه الشرع مع قائد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) قبل ثلاثة أيام من صدوره. ثم باشرت السلطة الانتقالية بتشكيل حكومة انتقالية، دون استشارة أو إشراك ممثلي المكونات السياسية والمجتمعية السورية في تشكيلتها. بعد ذلك جاءت خطوة تشكيل «مجلس الشعب» ليأتي بدوره كمؤسسة تشريعية مقيدة الصلاحية ومعينة تعييناً على يد الرئيس الذي يُعيّن ثلث عدد أعضائه مباشرة كما يعين لجنة لاختيار الثلثين الباقيين.

خلال الأشهر التالية لزوال النظام تصاعدت أعمال عنف طائفية وانتقامية في بعض المناطق، ووقعت مجازر في الساحل استهدفت الطائفة العلوية، وتكرر ذلك في السويداء ضد الطائفة الدرزية، أحداث تسببت بقتل وتهجير أعداد كبيرة من المدنيين وأثارت تحقيقات ونداءات حقوقية. ولم يسلم العلويون من سكان مدينة حمص وكذلك الدروز من سكان ريف دمشق من تلك الفظاعات. وإذ شهد جنوب سوريا تمددًا للتدخلات الإقليمية ووجودًا إسرائيليًا أوسع، مع عمليات عسكرية وتوغلات وإغارات جوية وعمليات أمنيّة أثارت خشية السكان. فإن شمال سوريا (مناطق عفرين وإعزاز وجرابلس والباب وسريكانيه وگريسپي) بقي تحت سيطرة الفصائل المسلحة الموالية لتركيا، في حين بقيت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) تسيطر على مناطق شرقي نهر الفرات وصولاً إلى الحدود السورية – العراقية.

عموماً لا يزال المشهد الأمني مضطربًا: تفشّي حركات مسلحة محلية وإرهاصات ثأرية، وتفاوت في النافذة الأمنية بين مناطق تخضع لسيطرة حكومة دمشق والمناطق التي تحكمها قوًى محلية أو سلطات إدارية إقليمية. وقد أثرت الوقائع الآنفة الذكر على نسيج المجتمع واللحمة الوطنية، حيث انهارت الثقة بين المجتمعات المحلية وانحسر الشعور بالأمل والتصالح الذي لاح في البداية في مناطق كثيرة نتيجة العنف الطائفي والاقتصاد المتدهور وشح الخدمات، كما أن خطاب الكراهية والتحريض الذي ورثته عقود الاستبداد ظهر مجددًا في حالات محلية بل وتصاعد شعبوياً في احتفالات إحياء ذكرى سقوط نظام الأسد، وأثّر في استعادة الثقة بين مكونات المجتمع. لذا فإن الكثير من المدن والقرى تواجه تحدّي إعادة بناء ثقة متبادلة بين المكوّنات.

وفي مؤتمرها العام المنعقد في السابع من شهر شباط 2025 وضعت حركة آزادي الكُردستاني في سوريا مسار الانتقال إلى سوريا الجديدة، فرأت أن الانتقال بسوريا إلى حالة الاستقرار السياسي والدستوري يمر بمراحل أساسية متكاملة ومتداخلة في بعض مفاصلها، حيث تأتي أولاً مرحلة التحضير، التي تديرها حكومة تسيير الأعمال المؤقتة، وتركز هذه المرحلة على إنجاز مهام عاجلة كضبط الأمن، وضمان عمل واستمرار المؤسسات العامة، وتقديم الخدمات، والحفاظ على الوثائق والأدلة المتعلقة بجرائم النظام الساقط، ومنع إفلات المشتبه بهم من العقاب، والحفاظ على الملكيات الخاصة والعامة، وحماية السجلات والوثائق المثبتة لذلك، والإعداد لإعلان دستوري مؤقت كإطار قانوني ينظم المرحلة الانتقالية، ووضع أسس ومعايير مؤتمر الحوار الوطني. ثم تأتي ثانياً المرحلة الانتقالية، وهي تحتاج إلى سنة ونصف تقريباً لإنجازها، وينبغي في هذه المرحلة توفير الأمن وسحب السلاح من الفصائل والميليشيات وحصره بيد سلطة الدولة، وحلّ جميع الفصائل العسكرية والميليشيات المسلحة، وإخراج جميع المقاتلين غير السوريين من البلاد، وبناء المؤسستين العسكرية والأمنية، وإعادة تشغيل العجلة الاقتصادية، وتوفير الشروط اللازمة لعودة اللاجئين السوريين في دول الجوار، وتسهيل عملية عودة النازحين السوريين إلى أماكن سكناهم الأساسية، وعقد مؤتمر الحوار الوطني وتوفير الشروط اللازمة لنجاحه، والإعداد لانتخاب مجلس تأسيسي لوضع دستور جديد بناءاً على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، والتحضير للانتخابات القادمة. وكل تلك المهام لن تُنجز دون إطار قانوني على شكل إعلان دستوري مؤقت. وتأتي ثالثاً وأخيراً المرحلة الدائمة وتأتي بعد انتخاب وتشكيل جميع الهيئات والسلطات التشريعية والتنفيذية في البلاد، بحسب الدستور الدائم. ورأت حركة آزادي أن هذا المسار ينبغي أن يؤدي إلى دولة اتحادية ذات نظام ديمقراطي يضمن المواطنة المتساوية للجميع ويحفظ كرامة الإنسان ويصون حقوقه، كما يضمن حلاً عادلاً للقضية الكُردية، ولذلك يحتاج السوريون بمختلف مكوناتهم إلى صياغة مشروع وطني سوري تغييري جامع وشامل بعيداً عن التوجهات الشوفينية والتطرف، مرتكزين على قواعد أساسية باتجاه فهم الوقائع والمعطيات المتعلقة بمستقبل الدولة السورية وشكلها وطبيعة نظام الحكم فيها، ودور القوى الوطنية والديمقراطية وتفهمها الجادّ للواقع السوري المتنوع.

الجانب الإنساني والاقتصادي:

تدهورت الحالة المعيشية، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة والبرامج الإنمائية إلى أن ما يقارب 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، وأن الملايين بحاجة لمساعدة إنسانية أساسية (غذاء، صحّة، طاقة)، ووجود أرقام تفيد أن نحو 13 مليونًا يعانون انعدام الأمن الغذائي بدرجات مختلفة. خاصة وأن الأطفال والنساء هم الأكثر تأثراً، إذ تشير تقارير اليونيسف وغيرها إلى مستويات مرتفعة من الفقر بين الأطفال وحاجة ملحّة لبرامج حماية وتعليم وتعافي نفسي. كما أن البنية التحتية الأساسية منهارة في مناطق واسعة، والبطالة والغلاء يحطان من مقدرة الأسر. وتكمن أولويات المعاناة في الأمن الغذائي، خدمات الكهرباء والماء، الرعاية الصحية والتعليم، وعودة النازحين واللاجئين بأمان وكرامة، وكلها أزمات بالغة الحدة. كما أن خطط «تفاهمات استثمارية» من دون بيئة قانونية وأمنية مستقرة أثبتت محدوديتها.

البعد الدبلوماسي الدولي والإقليمي:

أدى سقوط نظام الأسد إلى تغير في المعادلة السياسية للشرق الأوسط، وقد سعت السلطة الجديدة إلى إعادة توازن علاقاتها، بعضها اتجه للتقارب مع دول خليجية وغربية، بينما انحسر النفوذ التقليدي لإيران وترجع نفوذ روسيا في بعض الملفات، لكن هذه التحولات لم تكن كاملة أو مستقرة، وتوالت مفاوضات لملفات أمنية وإعادة اعترافات دبلوماسية. وإذ أظهر المجتمع الدولي ترددًا؛ فقد اتخذت بعض الدول خطوات لرفع قيود أو استئناف العلاقات الدبلوماسية، بينما استمرت دول ومنظمات دولية في الضغط حول قضايا حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية وضرورة شمولية الحوار. وكنتيجة، فقد أبدت الدول الإقليمية والغربية رغبة مبدئية في إعادة الانخراط ودعم إعادة الإعمار، لكنّها ربطت ذلك بشروط سياسية وحقوقية وأمنية متباينة.

وفي السادس من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 جاء قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2799 تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ليعكس تحوّلاً في الموقف الدولي تجاه المرحلة الانتقالية في سوريا، إذ يعيد الإشارة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2254 لعام 2015 كإطار مرجعي للعملية السياسية في سوريا، ويفتح الباب أمام إعادة إدماج سوريا في المجتمع الدولي، ويؤكد في الوقت ذاته على ضرورة التزام السلطة الجديدة بمكافحة الإرهاب، واتخاذ «تدابير حازمة للتصدي للتهديد الذي يشكله المقاتلون الإرهابيون الأجانب وحماية حقوق الإنسان لجميع السوريين وسلامتهم وأمنهم بغض النظر عن العرق أو الدين ومكافحة المخدرات والنهوض بالعدالة الانتقالية، وكفالة عدم الانتشار والقضاء على أي بقايا أسلحة كيميائية وضمان الأمن والاستقرار الإقليميين؛ فضلا عن إقامة عملية سياسية شاملة يقودها السوريون ويمتلكون زمامها» حسب ما ورد في نص القرار.

ثم أخيراً وفي الأيام الأولى من شهر كانون الأول/ ديسمبر الجاري جاءت الزيارة التي قام بها ممثلو الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي إلى سوريا، والتي هدفت إلى الاطلاع المباشر على الأوضاع الميدانية والسياسية، وتقييم مسار المرحلة الانتقالية، وتذكير السلطة بالتزاماتها الدولية التي تضمنها قرار مجلس الأمن رقم 2799. هذه الزيارة التي هي الأولى من نوعها في تاريخ سوريا، جاءت «في وقت حاسم»، بهدف التعرّف على «التحديات القائمة وإيصال الرسائل المتعلقة بالطريق الذي يريد المجلس أن يسلكه البلدان (سوريا ولبنان) في المرحلة المقبلة»، بحسب السفير السلوفيني لدى الأمم المتحدة سامويل زبوغار، الذي تتولى بلاده رئاسة المجلس خلال الشهر الجاري. فهذه الزيارة إذاً تعكس اهتمام المجتمع الدولي بمستقبل سوريا وبالعملية السياسية المعتمِدة روح القرار 2254، وتؤكد أن الحل السياسي لا يمكن أن ينجح دون مشاركة فعلية لجميع القوى الوطنية. لذا فهي فرصة لتذكير المجتمع الدولي بأن أي عملية دستورية أو سياسية لن تكون مكتملة ما لم تتضمن اعترافاً صريحاً بحقوق الكُرد القومية والسياسية والثقافية، وفق المواثيق الدولية.

وكان التذكير بالقرار الأممي 2254 لعام 2015 كأساس للحل السياسي في سوريا عنواناً للجهد الدبلوماسي العربي والدولي الموجه إلى سوريا، بدءاً من مخرجات لقاءات عمان (بعد ثلاثة أيام من سقوط نظام الأسد) والرياض (بعد شهر من لقاء عمان) ومن ثم مخرجات القمة العربية في شهر أيار 2025، وانتهاءً بالقرار الدولي 2799. إلا أن السلطة الانتقالية تجاهلت كل تلك المساعي بل سعت إلى كسب الشرعية من الخارج، من خلال محاولة تطبيع العلاقات مع روسيا لدفعها إلى لعب دور موازن للنفوذ الإسرائيلي في سوريا، وكذلك النشاط الكبير الذي بذلته السلطة في الدورة الثمانين لمنظمة الأمم المتحدة، إلا أن تلك الجهود لم تثمر عما كان مأمولاً، وخاصة لجهة الاتفاق المزمع عقده مع الجانب الإسرائيلي بشأن الأمن الإقليمي والمحافظات الجنوبية الثلاث التي ستخرج عن سيطرة دمشق عملياً في حال الوصول إلى اتفاق مع إسرائيل، ما سيشكل سابقة قد تتمخض عن تداعيات تجعل الكيان السوري امام تحديات غير مسبوقة.

الملف الكًردي وإرهاصاته:

فيما يتعلق بالشأن الكُردي يمكن القول بأن مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد قد بدأت بتبني «الإدارة الذاتية» للعلم الجديد والسيطرة على جميع المربعات الأمنية التي كان النظام السابق يحتفظ بها داخل مدينتي قامشلي والحسكة بما فيها مطار قامشلي.

لكن الفصائل الموالية لتركيا، والتي أعلنت ولاءها للسلطة الجديدة، بدأت حملة عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) على خطوط سد تشرين وجسر قره قوزاق، وبعد أشهر من المواجهة فشلت تلك الحملة وبدأت الحشود الموالية للسلطة بالتوجه إلى منطقة الساحل حيث ارتكبت فيها مجازر استهدفت الطائفة العلوية.

وفي 10 آذار تمكن الجانب الأمريكي من عقد لقاء في دمشق بين قائد قسد مظلوم عبدي والرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ليوقّعا على اتفاقية تضمنت ثمانية بنود، هي:
1- ضمان حقوق جميع السوريين في التمثيل والمشاركة في العملية السياسية وكافة مؤسسات الدولة بناء على الكفاءة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والعرقية.
2- المجتمع الكُردي مجتمع أصيل في الدولة السورية، وتضمن الدولة السورية حقه في المواطنة وكافة حقوقه الدستورية.
3- وقف إطلاق النار على كافة الأراضي السورية.
4- دمج كافة المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن إدارة الدولة السورية، بما فيها المعابر الحدودية والمطار وحقول النفط والغاز.
5- ضمان عودة كافة المهجرين السوريين إلى بلداتهم وقراهم، وتأمين حمايتهم من الدولة السورية.
6- دعم الدولة السورية في مكافحتها فلول الأسد وكافة التهديدات التي تهدد أمنها ووحدتها.
7- رفض دعوات التقسيم وخطاب الكراهية ومحاولات بث الفتنة بين كافة مكونات المجتمع السوري.
8- تعمل وتسعى اللجان التنفيذية على تطبيق الاتفاق بما لا يتجاوز نهاية العام الحالي.

إلا أن هذه البنود لا تزال حبراً على ورق، بل خالفها الإعلان الدستوري الذي أصدره الشرع بعد ثلاث أيام فقط من توقيعه على الاتفاق المذكور.

وعلى إثر حصار الحيّين الكُرديين في مدينة حلب (الأشرفية والشيخ مقصود) ومناوشات على الحواجز هناك تمكن ممثلو الحيين من التفاهم مع سلطة المدينة والاتفاق يوم 1 أبريل/ نيسان 2025 على أن «يُعتبر حيا الشيخ مقصود والأشرفية، ذات الغالبية الكُردية، من أحياء مدينة حلب، ويتبعان لها إداريا، ويُعد حماية واحترام الخصوصية الاجتماعية والثقافية لقاطني هذين الحيين، أمرا ضروريا لتعزيز التعايش السلمي»، و «تتحمل وزارة الداخلية بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي مسؤولية حماية سكان الحيين، ومنع أي اعتداءات أو تعرض بحقهم»، ومنع المظاهر المسلحة في الحيين، «ويكون السلاح حكرا على قوات الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية في الحيين»، وانسحاب القوات العسكرية، بأسلحتها، من الحيين إلى منطقة شرق الفرات، وتشكيل «لجنة تنسيقية لتسهيل الحركة والتنقل بين مدينة حلب ومناطق شمال وشرق سوريا»، وتبييض السجون من قبل الطرفين في محافظة حلب، وتبادل الأسرى، ومنح الحيين «حق التمثيل الكامل والعادل في مجلس محافظة حلب، وكذلك في غرف التجارة والصناعة وسائر المجالات، وفقا للقوانين الناظمة»، والمحافظة على المؤسسات الخدمية والإدارية والتعليمية والبلديات والمجالس المحلية القائمة في الحيين، إلى حين توافق اللجان المشتركة المعتمدة على حل مستدام.

وبالرغم من وقوع حوادث عكرت صفو هذا الاتفاق، فإن الوضع في الحييين قد حافظ على هدوئه النسبي حتى اليوم.

أما على الصعيد السياسي الكُردي فقد شهدت الساحة الكُردية حدثاً هاماً تجسد في ما سمي بـ «كونفرانس وحدة الصف والموقف الكُردي» الذي عُقد في قامشلي في 26 نيسان 2025 بمباركة القوى السياسية الأساسية لأجزاء كُردستان الأخرى وبمشاركة ممثلين عن مختلف الأحزاب الكُردية في سوريا، لتخرج بموقف موحد تجلى في الوثيقة الصادرة عن الكونفرنس التي ترسم ملامح حلٍّ سياسي شامل للقضية الكُردية ضمن إطار الوحدة الوطنية السورية.

ففي المجال الوطني السوري نصت الوثيقة على أن «سوريا دولة متعددة القوميات، الثقافات، الأديان والطوائف، يضمن دستورها حقوق كافة المكونات السورية من عرب، كرد، سريان، آشوريين، شركس وتركمان.. وعلويين، دروز، إيزيديين ومسيحيين… وبمبادئ فوق دستورية»، وأن الدولة تلتزم بالعهود والمواثيق الدولية وحقوق الإنسان ومبدأ المواطنة المتساوية، وأن «نظام الحكم في سوريا برلماني بغرفتين يعتمد التعددية السياسية، التداول السلمي للسلطة وفصل السلطات، كما يعتمد مجالساً للمناطق في إطار النظام اللامركزي»، وأن «سوريا لا مركزية، تتضمن التوزيع العادل للسلطة والثروة بين المركز والأطراف»، وأن يعبر اسم الدولة وعلمها ونشيدها الوطني عن التعدد القومي والثقافي للمجتمع السوري، وحيادية الدولة تجاه الأديان والمعتقدات، وحق ممارسة الشعائر الدينية والاعتراف بالديانة الإيزيدية ديانةً رسمية في الدولة، واعتماد هوية وطنية جامعة تراعي خصوصيات المكونات المختلفة، وضمان المساواة بين المرأة والرجل وتمثيلها في كافة المؤسسات، وحماية حقوق الطفل المعلنة في الاتفاقيات الصادرة عن الأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية، ورعايتهم ومساعدتهم بما يتناسب مع طبيعة مناطقهم وقدراتهم مع الأخذ بعين الاعتبار احتياجاتهم الخاصة التي تتناسب مع طبيعتهم وأعمارهم، وإعادة النظر بالتقسيمات الإدارية الراهنة بما يراعي الكثافة السكانية (الكتلة البشرية) والمساحة الجغرافية، واسترجاع الآثار والأوابد السورية المنهوبة التي نُقلت إلى داخل وخارج البلاد إلى أماكنها الأصلية، وإلغاء نتائج التغيير الديمغرافي وإيقافها في المناطق الكُردية وكافة المناطق السورية، وتأمين عودة آمنة للنازحين والمهجرين قسراً إلى ديارهم بمن فيهم أبناء سري كانيه/ رأس العين، كري سبي/ تل أبيض، وعفرين، وتشكيل جمعية تأسيسية برعاية دولية تضم ممثلي كافة المكونات السورية لصياغة مبادئ ديمقراطية، وتشكيل حكومة من كافة أطياف الطيف السوري ومكوناته بصلاحيات تنفيذية كاملة، وحق التعبير والتعليم باللغة الأم وممارسة الثقافة كحق لكل المكونات، وإعلان يوم الثامن من آذار عيداً للمرأة.

أما في المجال القومي الكُردي فقد نصت الوثيقة على «توحيد المناطق الكُردية كوحدة سياسية إدارية متكاملة في إطار سورية اتحادية»، والإقرار بالوجود القومي للشعب الكُردي في سوريا كشعب أصيل وضمان حقوقه القومية دستورياً وفق العهود والمواثيق الدولية بما فيها حقه في ممارسة حرة ومتساوية لحقوقه السياسية والثقافية والإدارية، وتقدير تضحيات شهداء الثورة السورية، قوات سورية الديمقراطية، القوى الأمنية والمعتقلين الذين قضوا في السجون، وكذلك الشهداء الذين سقطوا في مقاومة داعش ومجازره، ومساندة عوائلهم وضمان حقوقهم بموجب نصوص قانونية، واعتبار الشباب القوة الفاعلة في المجتمع، يجب ضمان مشاركته وتمثيله بشكل عادل في كافة مؤسسات الدولة، والاعتراف الدستوري باللغة الكُردية كلغة رسمية إلى جانب اللغة العربية في البلاد، وضمان التعليم والتعلم بها، وإحداث مراكز وإدارات تهتم باللغة، التراث التاريخي والثقافة الكُردية، وفتح مراكز للإعلام من قنوات إذاعية وتلفزيونية باللغة الكُردية، وإصدار الكتب والمجلات والمطبوعات، وفتح مراكز للدراسات والبحوث، وضمان مشاركة الكُرد في مؤسسات الدولة التشريعية، القضائية، التنفيذية والأمنية، واعتماد الحادي والعشرين من آذار عيد النوروز عيداً رسمياً في البلاد، و12 آذار يوماً لاستذكار الانتفاضة، وإلغاء كافة السياسات، الإجراءات والقوانين الاستثنائية التي طبقت بحق الكُرد مثل مشروع الحزام العربي وعمليات التعريب في المناطق الكُرديّة، وتعويض المتضررين من تلك السياسات التمييزية وإعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل صدورها وإلغاء الاتفاقيات السرية والعلنية التي تمس السيادة السورية والوجود الكُردي، وإعادة الجنسية السورية للمواطنين الكُرد المجردين منها بموجب إحصاء 1962 الاستثنائي المتبقين منهم ومكتومي القيد، تطوير البنية التحتية للمناطق الكُردية وتخصيص نسبة من عائدات ثرواتها في التنمية والإعمار، بسبب تهميشها وإهمالها المتعمد في المراحل السابقة.

خاتمة تقييمية موجزة

شهدت سوريا خلال سنة من سقوط نظام الأسد مرحلة إعادة دمج تدريجية في المحافل الإقليمية والدولية (زيارات، مساعي دولية ..)، لكن ذلك كان مشروطاً بالتعاون في مكافحة الإرهاب وبسلوك محلي يستوعب جميع السوريين بكافة مكوناتهم وألوانهم وبأجندات إقليمية مختلفة. أما الأمن الداخلي فقد تميز بالهشاشة رغم إحراز مكاسب دبلوماسية، حيث استمرت المعاناة الإنسانية وتصاعد العنف الطائفي وارتُكِبت المجازر في الساحل والسويداء ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين ونزوح الآلاف منهم بالإضافة إلى حالات الاختطاف والحملات الإعلامية التي روجت لخطاب الكراهية واستهدفت السلم الأهلي، ما أدى إلى إفقاد الثقة بين المكونات؛ وهذا يضع تحدّياً أساسياً أمام أي مشروع إعادة إعمار فعلي أو إعادة بناء الدولة وجمع أشتاتها.

إن سقوط نظام الأسد يعتبر نقطة تحول تاريخي وطنياً وإقليمياً، إذ يمكن النظر إليه كفرصة لبناء سوريا جديدة كدولة اتحادية ذات نظام ديمقراطي، إلا أن الفرصة محاطة بالعديد من التحديات الداخلية والخارجية التي تعرقل مساعي البناء عليها.

في 15 كانون الأول/ ديسمبر 2025

الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى