«من يملك حق التحدث باسم الكرد السوريين ؟ »

*مقال رأي – عبدالوهاب احمد
تشهد الساحة السياسية الكردية في سوريا راهناً فصلاً حرجاً آخر يتجاوز حدود خلافاتها التقليدية إلى سؤال أكبر يتعلق « بهوية المرجعية» التي ستتحدث باسم الكرد السوريين في هذه المرحلة الإنتقالية بقيادة الرئيس المؤقت احمد الشرع ، مرحلة تتشكّل فيها خرائط النفوذ والتحالفات داخل سوريا المنهكة، وخارجها الإقليمي والدولي المؤثر في فرض مسارات لحل القضايا الوطنية. فالمسألة لم تعد مجرد جدل داخلي حول مَنْ يمثّل الشعب الكردي وقضيته، بل تحوّلت إلى مدى القدرة على إنتاج وتحديد هوية المرجعية السياسية الكردية السورية بعيدة عن التأثير الخارجي نابعة من الواقع الاجتماعي والسياسي، و قادرة على حماية خصوصية الشعب الكردي القومية ضمن إطار الوطني السوري المضطرب.
لقد أعادت سنوات الحرب رسم بنية المشهد الكردي السوري بطريقة لم تكن متوقعة، بعد ظهور قوة عسكرية لعبت دوراً مركزياً في إدارة فراغ أجهزة الدولة في المناطق الكردية وشرق البلاد، ما منحها وزناً تفاوضياً وشرعية ميدانية يصعب تجاهلها. لكن هذا الصعود، رغم أهميته، ترك سؤالاً حول العلاقة بين الشرعية المكتسبة بالسلاح افرزته واقع الأزمة السورية والشرعية التاريخية التي منحتها القاعدة الاجتماعية للحركة السياسية الكردية منذ عقود . ضمن هذا الإطار ، جاء «كونفرانس قامشلو» وتشكيل «الوفد السياسي الكردي الموحّد» بوصفهما محاولة جادة لكسر حلقة التشرذم التقليدية، وامتلاك القدرة على التحدث باسم الكرد السوريين ضمن المسار الوطني السوري . هذا المسار بطبيعته لم يكن منفصلاً عن الدور الذي لعبته قوات سوريا الديمقراطية خلال سنوات الحرب، فقد تحولت قسد بقيادة الجنرال مظلوم عبدي إلى قوة عسكرية فرضت حضورها في الجغرافيا الكردية السورية وفي علاقاتها الإقليمية والدولية، ما جعلها جزءاً من معادلة تشكيل الوفد الكردي ذاته ، و أي مسار مستقبلي لبناء مرجعية كردية سياسية سورية . لكن السؤال الاعمق، ما مدى قدرة هذه « المرجعية المحلية » المرجوة على تجاهل العامل الإقليمي الخارجي بوصفه المحدّد الأكثر حضوراً في المشهد السياسي الكردي ، خاصة بعد إطلاق « عملية السلام » بين زعيم حزب العمال الكردستاني السيد عبدالله أوجلان وانقرة ؟ .
يبدو جلياً، أن تركيا تحاول إنتاج دور للسيد عبدالله أوجلان بوصفه مرجعية كردية عابرة لحدودها، خاصة بعد الزيارة البرلمانية الاخيرة لسجنه في ايمرالي ، وحديثه عن اتفاقية العاشر من آذار بين الجنرال مظلوم عبدي والرئيس السوري المؤقت احمد الشرع ، في رسالة يفهم منها ربط الملف الكردي السوري بالملف التركي – الكردي الداخلي. هذا التوجّه يحمل خطراً مزدوجاً، فهو من جهة يعيد القضية الكردية السورية إلى مربع «التبعية السياسية» لملف لا يشبهها ولا يتطابق مع الخطاب السياسي والاجندة الكردية في سوريا ، ومن جهة أخرى يسمح لأنقرة بتحديد سقف التمثيل الكردي السوري وحدود حقوقه ومطالبه بما يخدم أمنها وحدودها، وليس مصالح الكُرد السوريين.
هذا النوع من التدخل يهدد بتقويض الشرعية المحلية للوفد الكردي الموحد التي نجحت الحركة السياسية الكردية في تشكيله بعد كونفراس قامشلو . فالقضية الكردية في سوريا ليست امتداداً عضوياً لحزب العمال الكردستاني، ولا يمكن اختزالها في مسار تفاوضي بين السيد أوجلان وأنقرة. إنها قضية شعب محروم من اعتراف دستوري بهويته وحقوقه، يعيش على أرضه التاريخية، ويناضل منذ عقود ضد سياسات التمييز والتعريب والتهميش. ولذلك فإن أي مرجعية تُبنى خارج هذه الحقيقة تكون مرجعية مفروضة لا تُنتج استقراراً، بل تُعيد إنتاج الأزمة.
في المقابل، يستند المجلس الوطني الكردي إلى خلفية سياسية واجتماعية تشكّلت داخل سوريا نفسها، ويحاول تقديم نموذج لمرجعية تنطلق من الداخل، من الذاكرة السياسية الكردية السورية ومن شبكة العلاقات المتراكمة مع المكونات السورية الأخرى. وهذا يشكّل نقطة قوة لا يمكن إنكارها، لكنه يعاني من محدودية القدرة على التأثير في الجغرافيا الكردية التي تُدار عسكرياً وامنياً وادارياً من قبل قوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.
الصراع بين هذين المسارين ليس تنافساً حزبياً بقدر ما هو انعكاس لتحول أعمق يجري داخل المجتمع الكردي ذاته. فالوعي الكردي السوري بات أكثر حساسية تجاه مسألة الاستقلالية الوطنية، وأكثر إدراكاً لمخاطر التوظيف الإقليمي، لكنه في الوقت نفسه يتطلع إلى ضمان حماية سياسية وعسكرية في بيئة سورية لا تزال غامضة ، خاصة بعد المجازر والانتهاكات الفظيعة التي ارتكبت بحق ابناء الساحل والسويداء على يد قوات الامن العام والجيش السوري . هذا التناقض يجعل من عملية بناء المرجعية السياسية الكردية وتحديد هويتها مسألة معقدة ، بين حاجة الشعب الكردي في سوريا إلى مرجعية مستقلة، تعكس الواقع الديمغرافي والسياسي والاجتماعي للكرد السوريين، ودوره الوطني ضمن عملية صياغة دستور جديد يعترف بالشعب الكردي ويضمن حقوقه القومية، ومرجعية عابرة للحدود تسعى إلى استخدام الساحة الكردية السورية كجزء من صراع إقليمي أوسع، ما يعني فقدان التحكم بالقرار السياسي الكردي لصالح مزاج تلك الدول وفق مساراتها التفاوضية وحساباتها الداخلية.
المشهد السوري اليوم مفتوح على إعادة تشكيل عميقة، والفرصة سانحة لفرض معادلة سياسية جديدة تُنهي عقود التهميش وتفتح الباب أمام شراكة وطنية حقيقية. لكن ذلك يتطلب شجاعة سياسية لرفض أي تبعية إقليمية، وبناء مرجعية تعتمد على الشرعية الاجتماعية والسياسية داخل سوريا، لا على تفاهمات عابرة للحدود .



