أخبار الحركةبيانات و توضيحات

قراءة في المشهد السياسي السوري الراهن

حركة آزادي الكردستاني في سوريا

 

من غير المتوقع أن تفضي الظروف السياسية والأمنية التي تمر بها سوريا إلى تنفيذ بنود إتفاق العاشر من آذار خلال المهلة الزمنية المحددة والتي تنتهي مع نهاية عام 2025، وذلك بسبب تشابك  الملفات الامنية والسياسية، وغياب الثقة بين الطرفين، إلى جانب التداعيات السياسية التي تزامنت مع ظروف توقيع هذه الاتفاقية، بالإضافة إلى ضيق الفترة الزمنية التي أتيحت أمام الأطراف المعنية، كون اتفاقية سياسية بهذا الحجم لا ينبغي حصرها في نطاق زمني ضيق، ناهيك عن إخفاق الطرفين حتى الآن في عزل وتحييد تداعيات هذه الاتفاقية عن محيطها الإقليمي المؤثر، مما أبقى باب التدخلات الخارجية مفتوحة أمام العديد من الأطراف الإقليمية التي ما زالت تنظر إلى تشابك قضايا الداخل السوري على أنها قد تشكل مدخلاً مناسباً لمعالجة أزماتها الداخلية، ومن المرجح  أن المباحثات الأخيرة التي جرت في دمشق بين الجانب التركي وسلطات دمشق الانتقالية ربما تندرج في هذا السياق، على إعتبار أن الجانب التركي ما زال  يرى في تأخر تنفيذ بنود هذه الاتفاقية تهديداً مباشراً لأمنها القومي، هذا ما صرح به وزير الخارجية التركي حقان فيدان الذي ترأس وفد تركيا الأمني الأخير إلى دمشق في الثاني والعشرين من شهر كانون الأول الجاري، الذي ضم أيضاً كل من وزير الدفاع يشار غولر ورئيس جهاز الاستخبارات التركي ابراهيم كالن، وقد ذهبت أغلب التحليلات التي تناولت حيثيات هذه الزيارة وتوقيتها على أنها جزء لا يتجزأ من مسار الضغط المتواصل على قسد، وبالتالي تعزيز موقف الحكومة السورية في سياق التفاوض.

ووسط تضارب التصريحات الصادرة عن الطرفين خلال الأسابيع القليلة الماضية يمكن التكهن بحجم الخلافات القائمة، حيث تداولت المصادر أن  رؤية وزارة الدفاع السورية تنحصر في استعادة “السيادة المركزية” من خلال الموافقة على تشكيل 3 فرق عسكرية من قسد في الرقة والحسكة ودير الزور، تضم نحو 15 ألف مقاتل بمعدل خمسة آلاف لكل فرقة، وهو ما يعني تقليص حجم “قسد” بشكل كبير مقارنة بأعدادها الحالية والمطالبة مقابل ذلك بتسليم فوري لملفات النفط والغاز والمعابر الحدودية للدولة على اعتبار أنها قضايا تتعلق بسيادة الدولة ، ورفض أي إدارة محلية مستقلة لهذه الموارد، وكذلك إلحاق كافة المديريات والمؤسسات المدنية في مناطق سيطرة “قسد” بالوزارات المركزية في دمشق لإنهاء حالة الانفصال الإداري القائم.

مقابل ذلك هناك العديد من النقاط الخلافية الأخرى سيما في الجانب السياسي،  إذ تريد الحكومة السورية اندماجا كاملا للمؤسسات المدنية والعسكرية، وإعادة ترتيب المؤسسات وفق مبدأ السيادة المركزية، مع منح سكان تلك المناطق شكل من اللامركزية الإدارية على غرار ما كان سائداً في العهد البائد، فيما تطرح قسد نموذجا أشبه بإعادة توطين لكافة مخرجاتها العسكرية والمدنية في دولة لا مركزية، بما يضمن لها البقاء ككتلة واحدة ضمن الدولة السورية، دون أن تشكل جزءا عضويا منها.

وبغض النظر عن حجم الخلافات وتقلص فرص التوافق، ثمة مساعي أورو أمريكية وأخرى كردستانية تحاول إزالة أبرز العراقيل التي تعترض طريق التوافق عبر تقريب وجهات النظر وتبني سيناريو سياسي أقرب إلى حلول الوسط على أن يتم تمديد المهلة إلى فترة زمنية أخرى، والشروع  في تطبيق بعض بنود الاتفاقية كحل مرحلي، وتأجيل بعضها الأخرى، مع التأكيد من جهتنا على أن أي صيغة توافق في نهاية المطاف سوف لن تكون جديرة بالبقاء والديمومة طالما لا ترتقي إلى سوية الإقرار الدستوري بحقوق المكون الكردي بما في ذلك الاعتراف  بهويته القومية، وتأمين مستقبله السياسي،  وأن القضية برمتها لا تنتهي عند بعض الحقائب الوزارية أو بعض المكاسب  او المناصب الإدارية لقسد أو غيرها من الكتل السياسية.

ولعل من أبرز إفرازات الانسداد السياسي ووسائل الضغط التي تتبعها السلطات الانتقالية في دمشق هو الضغط المباشر على المناطق الكردية كما حصل في أحياء مدينة حلب الشمالية ذات الغالبية الكردية ( الشيخ مقصود والاشرفية ) والتي تعرضت إلى هجوم غادر بالأسلحة الثقيلة من قبل قوات الأمن الداخلي  يوم ( 26/12/2025  ) أعقبها حصار خانق نتج عنها كما رأينا نزوح المئات من الأسر الكردية وسط مخاوف من انزلاق الوضع وتجدد الاشتباكات، وقد تزامن مع هذا التصعيد، خروج العديد من المظاهرات السلمية في مناطق ومحافظات عديدة والتي انتهت أغلبها إلى مصير دامي مما يعيد إلى الاذهان مجريات الحراك السلمي الذي بدأه السوريون عام  2011، بالإضافة إلى تعرض العديد من المواقع والمناطق إلى أعمال إرهابية راح ضحيتها العديد من العسكريين والمدنيين العزل كما حدث في تدمر في 14/12/2025، وكذلك الانفجار الذي استهدف جامع علي بن أبي طالب في حمص في 26 كانون الأول الجاري.

على العموم يمكن التسليم بأن خطوط الصدع الناشئة في الشارع السوري سيؤدي إلى تهديد السلم الأهلي الهش لدرجة كبيرة، وهناك قوى سياسية تعيد ترتيب جحافلها في تكرار تجربة شبيهة بتجربة داعش، والسعي إلى حرب أهلية في سورية تعيد ترتيب التوازنات، وتضرب المعادلات المتشكلة حديثاً بعد التغيير الذي شهدته سوريا، وهي نتاج مسؤولية جميع الفاعلين في سورية، ولا سيما منظومة الحكم التي تتزعمها هيئة تحرير الشام، حيث أثبتت هذه المنظومة عدم أهليتها للحكم وبالتالي عدم قدرتها على ضبط الوضع الأمني في سوريا، وقد أعلنت منظمة سمت نفسها “سرايا انصار السنة” أن هدفها هي ضرب الأقليات في سوريا والانتقام منها، حيث تبنت هذه المنظمة عملية تفجير مسجد علي بن ابي طالب في حمص، وكذلك التفجير الذي استهدف كنيسة مار الياس في دمشق، وربما يحصل أعمال إرهابية مشابهة في القادم من الأيام طالما هناك مناطق  تشكل ما يشبه الخواصر الرخوة وما أكثرها.    

   في 31/12/2025

الهيئة التنفيذية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى