أخبار الحركةبيانات و توضيحات

قراءة في المشهد السياسي

يشير المشهد الإقليمي لشهر نيسان 2026 إلى مرحلة غير مسبوقة من التوتر وإعادة التشكل في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مسارات الحرب والتهدئة، وتتعاظم آثار الصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وشبكة حلفائها من جهة أخرى. وعلى الرغم من الإعلان عن وقفٍ لإطلاق النار بين واشنطن وطهران في الثلث الأول من نيسان، فإن الوقائع على الأرض تُظهر هشاشة هذا التفاهم واستمرار الصراع بصور مختلفة، خصوصاً في لبنان وإيران، ما يجعل المنطقة على حافة انفجار جديد. وقد استمرت الضربات الإسرائيلية الواسعة على لبنان حتى بعد إعلان الهدنة، كما شهدت إيران ضربات على منشآت نفطية وبتروكيميائية في الأيام التي تلت إعلان وقف إطلاق النار، ما يعكس استمرار حالة الاشتباك غير المباشر رغم التفاهمات المعلنة والمفاوضات التي ترعاها باكستان. فالصراع الإقليمي يشهد تحولات بنيوية عميقة، حيث تؤكد التطورات الأخيرة أن الشرق الأوسط يشهد تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع. فبعد عقود من الحروب بالوكالة، باتت المواجهة أكثر مباشرة وانكشافاً، فالضربات المتبادلة على منشآت استراتيجية، واستهداف قيادات سياسية وعسكرية رفيعة، وتوسّع العمليات السيبرانية، كلها مؤشرات على تآكل منظومة الردع التقليدية. وقد استهدفت الضربات الأمريكية – الإسرائيلية منذ 28 شباط الماضي البنية النووية والصاروخية الإيرانية، وأدت إلى مقتل شخصيات بارزة، بينهم المرشد الإيراني علي خامنئي، ما دفع إيران إلى ردود واسعة شملت إغلاقاً فعلياً لمضيق هرمز حيناً والحصار الأمريكي المستمر له حتى اليوم. ويمكن تقييم هذا التحول بأنه يعكس انتقال الصراع من مرحلة منع التصعيد إلى مرحلة إدارة التصعيد، حيث تسعى كل جهة إلى تحسين موقعها التفاوضي عبر الضغط العسكري، دون الانزلاق إلى حرب شاملة، وإن كانت احتمالاتها قائمة بقوة.

وتُظهر المعطيات أن واشنطن تتحرك ضمن استراتيجية احتواء إيران وإعادة تشكيل البيئة الأمنية الإقليمية بما يخدم صراعها الاستراتيجي مع الصين. فإضعاف القدرات الإيرانية، وخصوصاً النووية والبالستية، وتأمين خطوط الطاقة العالمية، وضمان التفوق النوعي لإسرائيل، كلها أهداف واضحة في مسار العمليات العسكرية والسياسية. وقد أدت هذه الحرب إلى واحدة من أكبر اضطرابات أسواق الطاقة في العقود الأخيرة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز وتزايد المخاوف من نقص الإمدادات العالمية. أما بالنسبة لإيران فقد اعتمدت لعقود طويلة على شبكة واسعة من الوكلاء الإقليميين، ما منحها عمقاً استراتيجياً وقدرة على المناورة. لكن الضربات الواسعة التي طالت هذه الأذرع، خصوصاً في لبنان والعراق وسوريا، قلّصت من فعاليتها. كما أن انتقال الحرب إلى الداخل الإيراني، واستهداف منشآت حيوية، كشف محدودية المقاربة التقليدية، بل وكشف خلافات داخلية في إيران حول كيفية التعامل مع الولايات المتحدة، بين تيار يدفع نحو التفاوض وتيار آخر يرفضه، في ظل استمرار الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية وإجبار عشرات السفن على تغيير مسارها .

أما بخصوص التموضع الإقليمي، فقد أدى التصعيد إلى إعادة رسم مواقف القوى الإقليمية. فدول الخليج تتبنى سياسة موازنة دقيقة بين احتواء إيران وتجنب الانخراط في مواجهة مباشرة، بينما تحاول تركيا البقاء في منطقة رمادية، متوجسة من انهيار النظام الإيراني وما قد يترتب عليه من تداعيات على حدودها وأمنها الداخلي. كما أن تهديد الممرات البحرية، خاصة في الخليج والبحر الأحمر، بات عاملاً مركزياً في حسابات الدول، نظراً لتأثيره المباشر على أمن الطاقة العالمي. ولا بد هنا من الإشارة إلى الانعكاسات الاقتصادية حيث تشهد الأسواق العالمية تقلبات حادة في أسعار النفط والغاز، مع تحذيرات من ارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد. وقد تسببت الحرب الحالية في واحدة من أكبر صدمات الطاقة في العصر الحديث، مع تأثيرات مباشرة على الاقتصادات الهشة في الشرق الأوسط.

بناءً على ما سبق يمكننا تصور عدة سيناريوهات محتملة: أولها التصعيد الشامل، إذ أن استمرار الضربات المتبادلة قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة، وربما تدخل بري يستهدف إسقاط النظام الإيراني، خاصة إذا انهارت الهدنة الحالية. وثانيها الاستنزاف طويل الأمد عبر حصار اقتصادي خانق وعمليات عسكرية محدودة، ما قد يؤدي إلى تفكك داخلي في إيران. وثالثها التهدئة المشروطة بإبقاء الصراع تحت السيطرة دون حل جذري من خلال تفاهمات مؤقتة، وهو السيناريو الأكثر ترجيحاً في المدى القريب.

وبالنسبة لسوريا فمن المؤكد أنها ستتأثر بشكل كبير بمآلات الصراع، سواء سقط النظام الإيراني أو تم التوصل إلى تفاهمات جديدة. فالوضع المعيشي يزداد سوءاً، والاقتصاد السوري يعاني الهشاشة ويركز على البقاء بدلاً عن التنمية، والتدخلات الإقليمية والدولية مستمرة. كما أن الضربات التي طالت مواقع في الحسكة خلال شهر آذار الماضي تُظهر أن سوريا تبقى ساحة مفتوحة للصراع الإقليمي، كل ذلك بالتوازي مع غياب رؤية واضحة لمشروع سياسي وطني سوري يأخذ بعين الاعتبار وجود وحقوق كافة مكونات الشعب السوري. أما على الصعيد الكُردي السوري فإنه وبعد عام كامل من انعقاد كونفرانس وحدة الموقف والصف الكُردي لا يزال التشرذم في الحراك الحزبي الكُردي مستمراً، مع غياب مرجعية حقيقية شاملة التمثيل لجغرافية التواجد الكُردي في سوريا، بموازاة التنافس على المناصب الفردية، الأمر الذي يبدّد الطاقات ويُضعف وحدة القرار، وينعكس سلباً على إمكانية تحقيق الحقوق القومية والديموقراطية المشروعة لشعبنا.

في 1 أيار 2026

الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا


مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى