قراءة في المشهد السياسي لشهر حزيران 2026

تشير التطورات التي شهدها شهر حزيران/يونيو الفائت إلى أن المنطقة تقف أمام مرحلة انتقالية جديدة تتداخل فيها عناصر الصراع والتسوية في آن واحد، حيث لم تعد المواجهات العسكرية المباشرة هي الأداة الوحيدة لإدارة التنافس الإقليمي والدولي، بل باتت التفاهمات المرحلية، والوساطات، وإعادة توزيع النفوذ عبر المسارات السياسية تشكل بالتوازي ملامح المرحلة المقبلة. ومن هذا المنطلق، نرى المشهد الدولي والإقليمي يتجه نحو إعادة رسم توازنات جديدة، سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل سوريا، وعلى القضية الكُردية فيها، وعلى شكل النظام الإقليمي بأسره.
فعلى الصعيد الدولي، ما زالت تداعيات المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تلقي بظلالها على مجمل ملفات المنطقة، رغم التفاهمات التي أُعلن عنها خلال شهر حزيران، وما تبعها من اتفاقات أولية هدفت إلى وقف الأعمال العسكرية وفتح الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة. ورغم أن تلك التفاهمات تعرضت لاختبارات صعبة نتيجة الاتهامات المتبادلة بخرق وقف إطلاق النار، وما شهدته الأيام الأخيرة من تبادل للضربات العسكرية قبل العودة إلى تثبيت الهدنة، إلا أنها تؤكد وجود إرادة دولية وإقليمية لمنع الانزلاق نحو حرب شاملة، لما تحمله من مخاطر على الأمن العالمي والاقتصاد الدولي. ونرى هنا أن نجاح هذه التفاهمات، إذا ما تطورت إلى اتفاقات مستقرة، قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تقليص الصدامات العسكرية المباشرة، مقابل توسيع مساحة التسويات السياسية وإعادة توزيع مناطق النفوذ. وفي هذا السياق، ستكون سوريا من أكثر الدول تأثراً بهذه التحولات، سواء عبر إعادة ترتيب موازين القوى الداخلية، أو من خلال إعادة تعريف موقعها ضمن المنظومة الإقليمية الجديدة، بما يفرض على جميع القوى الوطنية السورية الاستعداد للتعامل مع مرحلة جديدة.
وقد انعكست هذه التطورات بصورة واضحة على الاقتصاد العالمي، حيث انصب الاهتمام الدولي على تثبيت وقف الأعمال العسكرية وضمان أمن الملاحة في الخليج العربي، مع بدء عودة حركة السفن تدريجياً عبر مضيق هرمز، الأمر الذي ساهم في تخفيف المخاوف المتعلقة بإمدادات الطاقة العالمية، رغم استمرار تقلب أسعار النفط والأسواق المالية. وفي الوقت نفسه، بقيت الضغوط التضخمية العالمية، وترقب قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، واستمرار النمو الكبير لشركات الذكاء الاصطناعي، من أبرز الملفات الاقتصادية التي تؤثر في الاقتصاد العالمي. كما جاءت قمة مجموعة السبع في فرنسا لتؤكد استمرار اهتمام الدول الصناعية الكبرى بقضايا أمن الطاقة بعد أزمة الخليج، والتنافس العالمي في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، إلى جانب العلاقات الاقتصادية مع الصين واستمرار الحرب الروسية الأوكرانية، التي لم تتوقف رغم انشغال العالم بأزمة الخليج، حيث استمرت العقوبات الغربية على روسيا، وتواصلت النقاشات الأوروبية بشأن رفع الإنفاق الدفاعي وتعزيز القدرات العسكرية لدول القارة، كما أن موضوع التدخل الأوروبي الوشيك إلى جانب الولايات المتحدة في الحرب ضد إيران يتم تناوله في الفترة الأخيرة بشكل مكثف داخل الأوساط الأوروبية حيث سيكون ذلك الاحتمال مرجحاً في حال إصرار إيران على التمسك بإغلاق مضيق هرمز وتقييد الحركة عبره، ما يشكل ضرراً جسيماً على الاقتصاد الأوروبي بشكل خاص ويمكن أن تنجم عنه اضطرابات اجتماعية إذا ما تجاوز الحد المسموح به.
وبقيت منطقة الشرق الأوسط، خلال شهر حزيران ساحة مفتوحة لتداخل الأزمات، فبالإضافة إلى المواجهة الأمريكية – الإيرانية، وحالة من الهدوء الحذر التي تعكس رغبة جميع الأطراف في إدارة الصراع ضمن سقوف تمنع الانفجار الكبير، دون أن يعني ذلك انتهاء أسباب التوتر الأساسية، وإعادة فتح مضيق هرمز تدريجياً، ما ساهم في الحد من المخاوف العالمية بشأن أمن الطاقة، مع استمرار المفاوضات الرامية للوصول إلى اتفاق أكثر استدامة.. بالإضافة لذلك تواصلت العمليات العسكرية الإسرائيلية، بالتوازي مع استمرار التصعيد في قطاع غزة، كما استمرت المواجهات في جنوب لبنان، الذي يبدو أمام مرحلة جديدة تتسم بتعقيدات سياسية وأمنية كبيرة، في ظل النقاشات الدائرة حول الاتفاق الإطاري المتعلق بالانسحاب الإسرائيلي بصورة تدريجية، وما يرتبط بذلك من مستقبل سلاح حزب الله، ونشهد في الوقت نفسه انقساماً داخلياً حول هذه الاتفاقات يعكس اختلافاً في تقييم المصلحة الوطنية، إلا أن نجاح أي تسوية ينبغي أن يقاس بقدرتها على تعزيز دور مؤسسات الدولة، وتجنيب البلاد العودة إلى دوامة الصراعات الداخلية. وفي الوقت نفسه، فإن الحديث عن احتمالات الاغتيالات السياسية أو الأمنية يبقى في إطار المخاوف المشروعة التي تستوجب اليقظة، دون وجود معطيات حاسمة تؤكد حدوثها.
وفي إيران، لم تقتصر التطورات على المواجهة مع الولايات المتحدة، بل شهدت المناطق الكُردية تصاعداً ملحوظاً في الاشتباكات بين القوات الإيرانية وجماعات كُردية مسلحة في محافظات باوه ومريوان ومهاباد وغيرها، وهو ما يعكس استمرار الأزمة البنيوية المتعلقة بحقوق الشعب الكُردي في إيران. ونرى هنا أن معالجة هذه القضية لا يمكن أن تتم عبر الحلول الأمنية والعسكرية، بل من خلال الاعتراف بالحقوق القومية والسياسية المشروعة، واعتماد الحوار أساساً لبناء الاستقرار الداخلي.
أما في العراق، فقد سعت الحكومة الجديدة إلى تجنيب البلاد تداعيات الصراع الأمريكي الإيراني، عبر رفع مستوى التأهب الأمني، ومنع الفصائل المسلحة من الانجرار إلى مواجهة مباشرة قد تهدد الأمن الوطني. وفي الوقت ذاته، برزت إلى السطح حملة مكافحة الفساد، فيما بقي إقليم كُردستان يواجه تحديات داخلية تتعلق بتعثر تشكيل الحكومة، وتأخر انعقاد البرلمان، واستمرار الخلافات السياسية حول إدارة المرحلة المقبلة، الأمر الذي يتطلب من القوى الكردستانية تغليب المصالح الوطنية العليا على الاعتبارات الحزبية الضيقة.
وفي تركيا، تواصلت الاستعدادات الأمنية لاستضافة قمة حلف شمال الأطلسي، بالتزامن مع استمرار النقاشات المتعلقة بعملية السلام والأوضاع الداخلية، في وقت شهدت العلاقات التركية الإسرائيلية توتراً إضافياً بعد إعلان الحكومة الإسرائيلية اعترافها بالإبادة الجماعية للأرمن في ظل الدولة العثمانية، وهي خطوة تحمل أبعاداً سياسية تتجاوز بعدها التاريخي، وتعكس اتساع مساحة الخلاف بين أنقرة وتل أبيب.
أما في سوريا، فإن التطورات خلال شهر حزيران تؤكد أن البلاد أصبحت بصورة متزايدة جزءاً من ترتيبات إقليمية ودولية أوسع. ويأتي اللقاء الثلاثي الذي جمع كلاً من مظلوم عبدي والرئيس نيجيرفان بارزاني والمبعوث الأمريكي في هولير، والجولة الأوروبية التي قام بها السيد عبدي، بوصفها مؤشرات على استمرار الاهتمام الدولي بمستقبل المنطقة، وإعادة ترتيب الأولويات الأمريكية فيها. كما أن الضغوط الدولية المتزايدة على الحكومة الانتقالية في دمشق، وربط الدعم السياسي والاقتصادي بحماية حقوق المكونات، وضمان المشاركة الفعلية للأقليات في مؤسسات الدولة، تؤكد أن المجتمع الدولي بات ينظر إلى بناء دولة المواطنة والشراكة بوصفه شرطاً أساسياً لتحقيق الاستقرار. كما تؤكد إحاطة نائب المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن أن سوريا ما تزال تواجه تحديات كبيرة تتعلق بالعدالة الانتقالية، وسيادة القانون، وحماية الحريات، والتصدي لخطاب الكراهية، واستمرار التهديد الذي يمثله تنظيم داعش، إضافة إلى التدهور الاقتصادي الحاد، وهي جميعها ملفات لا يمكن معالجتها إلا عبر عملية سياسية شاملة تستند إلى مشاركة جميع السوريين دون إقصاء.
أما على الصعيد الكُردي السوري، فإن حركة آزادي ترى أن استمرار حالة الانقسام والتشرذم بين القوى السياسية الكُردية يمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه القضية الكُردية في سوريا، في وقت تنشغل فيه بعض الأطراف بالتنافس على المواقع والمكاسب ضمن مؤسسات الدولة، على حساب المشروع القومي الجامع. وانطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية، تؤكد الحركة أن المرحلة الراهنة تتطلب الإسراع في تشكيل مرجعية قومية كُردية سورية مستقلة، تنبثق عن مؤتمر قومي عام أو اجتماع وطني واسع، يضم مختلف القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية، ويضمن تمثيلاً حقيقياً ومتوازناً لجميع مناطق الوجود الكُردي في سوريا. وفي هذا السياق ترفض الحركة اعتماد مبدأ المحاصصة أساساً لتشكيل هذه المرجعية، لأن شرعيتها ينبغي أن تستند إلى الكفاءة والتمثيل الحقيقي والتوافق الوطني، لا إلى تقاسم النفوذ بين القوى المختلفة، فوحدة القرار السياسي الكُردي، واستقلاليته، والانفتاح على الشراكة الوطنية السورية، تمثل اليوم الضمانة الأساسية للدفاع عن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكُردي، وتعزيز دوره كشريك أصيل في بناء سوريا ديمقراطية، تعددية، لا مركزية، تقوم على المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، واحترام حقوق جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية، بعيداً عن الاستبداد والإقصاء والصراعات التي أنهكت البلاد طوال العقود الماضية.
في 1 تموز/ يوليو 2026
الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا


