أخبار الحركةبيانات و توضيحات

قراءة في المشهد السياسي لشهر تشرين الأول/ أكتوبر 2026

اتسم شهر تشرين الأول/ أكتوبر2026 بتداخل الأزمات الدولية والإقليمية، وباستمرار الصراعات المفتوحة من دون توافر مؤشرات جدية على تسويات سياسية شاملة. فعلى الصعيد الدولي، بقيت الحرب الروسية – الأوكرانية واحدة من أبرز بؤر التوتر في النظام الدولي، وعلى الرغم من استمرار الجهود والاتصالات الرامية إلى احتواء التصعيد والبحث عن ترتيبات لوقف المواجهات، لم تظهر خلال الشهر مؤشرات كافية على اقتراب تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعالج أسبابها الأساسية. وتتجاوز تداعيات هذه الحرب حدود أوروبا الشرقية، إذ تواصل التأثير في حسابات الأمن الأوروبي، والإنفاق الدفاعي، وأسواق الطاقة، والعلاقات بين القوى الكبرى، وفي هذا السياق، تكتسب التحركات الأوروبية أهمية متزايدة، ولا سيما مع انعقاد المجلس الأوروبي في بروكسل يومي15 و 16 تشرين الأول، حيث ناقش دعم أوكرانيا ومولدوفا، وتعزيز القدرات الدفاعية والأمنية وتوسيع الاتحاد الأوروبي، إلى جانب التطورات في الشرق الأوسط والتنافس الاقتصادي والتكنولوجي مع القوى الدولية. وتعكس هذه الملفات إدراكاً أوروبياً بأن البيئة الدولية أصبحت أكثر اضطراباً، وأن الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية وحدها لا يوفر بالضرورة الاستجابة الكافية لجميع التحديات، إلاّ أن السعي إلى تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية ما زال يصطدم بتباين المواقف بين الدول الأعضاء، وبالفجوة بين الطموحات السياسية والقدرات العسكرية والاقتصادية المتاحة.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية تزامن الانشغال بالملفات الخارجية مع اقتراب الانتخابات النصفية المقررة في الثالث من تشرين الثاني، وهي انتخابات تتجاوز أهميتها حدود التنافس الحزبي الداخلي، بالنظر إلى تأثير نتائجها في موازين القوى داخل مجلسي الكونغرس ومئات المناصب المحلية، وتكتسب هذه الانتخابات أهمية خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة، واستمرار تداعيات الحرب مع إيران، وتصاعد حضور السياسة الخارجية في الحملات الانتخابية، ومن شأن النتائج أن تحدد إلى حد بعيد قدرة الإدارة الأمريكية على تمرير التشريعات والميزانيات، وممارسة نفوذها التشريعي، والتعامل مع التحقيقات والرقابة البرلمانية خلال العامين الأخيرين من الولاية الرئاسية. ولا تقتصر أهمية هذا الاستحقاق على الداخل الأمريكي؛ فنتائجه قد تنعكس على توجهات واشنطن الخارجية، خصوصاً في ملفات الشرق الأوسط وإيران وأوكرانيا وأمن الطاقة، كما يمكن أن تؤدي نتائج الانتخابات إلى إعادة ترتيب أولويات الإدارة، أو زيادة الضغوط الداخلية عليها لتجنب الانخراط في مواجهات خارجية مكلفة، ومع ذلك، فإن تأثير الانتخابات في السياسة الخارجية لن يكون آلياً أو فورياً، لأن هذه السياسة تتأثر أيضاً بالمؤسسات الأمنية والعسكرية والاعتبارات الاستراتيجية طويلة الأمد.

وفي ملف مكافحة الإرهاب، مثّل اجتماع التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش في روما في الأول والثاني من تشرين الأول محطة مهمة إذ ركز على الجهود المشتركة في إضعاف التنظيم، وعلى انتهاء التكليف بعملية «العزم الصلب» في العراق بوصفه تطوراً يعكس انتقال مسؤولية أكبر إلى الحكومة العراقية، وأعلن المشاركون التزامات تجاوزت 75 مليون دولار لدعم احتياجات مكافحة الإرهاب في سوريا، وتعزيز سعة مراكز الاحتجاز، والحفاظ على الخدمات الصحية والصرف الصحي، ودعم النازحين والمحتجزين في البلدين. وتكمن الأهمية السياسية لهذا الاجتماع في أنه يعكس تحولاً في مقاربة المجتمع الدولي للملف السوري، من التركيز على المواجهة العسكرية مع تنظيم داعش إلى التعامل مع السلطة الانتقالية في سوريا باعتبارها طرفاً يمكن التعاون معه في هذا المجال، إلاّ أن هذا التعاون يظل مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات الحكومية على أن تكون جامعة وقادرة على تمثيل مختلف المكونات وحمايتها، فالتنظيمات المتطرفة لا تستفيد من الفراغ الأمني وحده، بل تستغل أيضاً التهميش السياسي والانقسامات الاجتماعية وضعف مؤسسات الدولة، لذا فإن نجاح جهود مكافحة الإرهاب لا يمكن أن يتحقق بالإجراءات العسكرية والأمنية فقط، وإنما يتطلب معالجة الأسباب السياسية والاجتماعية التي تتيح للتنظيمات المتطرفة إعادة بناء نفوذها.

وعلى صعيد أخر استمرت الضغوط الأمريكية والغربية على إيران، سواء من خلال العقوبات الاقتصادية أو إعادة تفعيل القيود الدولية المرتبطة ببرنامجها النووي، وقد جاء البيان المشترك الصادر عن56 دولة في الثاني من تشرين الأول، بمناسبة مرور عام على إعادة تفعيل قرارات مجلس الأمن المتعلقة بإيران، ليؤكد استمرار التنسيق الدولي لمنع وصول المواد والتكنولوجيا التي يمكن أن تسهم في تطوير الأنشطة النووية الحساسة أو أنظمة إيصال الأسلحة، بما فيها الصواريخ والطائرات المسيّرة، كما شدد البيان على ضرورة تعاون طهران الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والعودة إلى الالتزامات المتعلقة بعدم الانتشار. وفي الثامن من الشهر، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات جديدة استهدفت كيانات وأفراداً وسفناً مرتبطة بتجارة النفط والمنتجات البتروكيماوية الإيرانية، في إطار ما أطلقت عليه «عملية المنبوذ الاقتصادي» بهدف تفكيك الأسطول السري الإيراني والحد من قدرة طهران على الالتفاف على العقوبات وتمويل أنشطتها الخارجية، وتدل هذه الإجراءات على أن واشنطن لا تزال تراهن على الضغط الاقتصادي والمالي لتقليص الموارد الإيرانية، بالتوازي مع استمرار المواجهة الأمنية والعسكرية. إلاّ أن استمرار هذا النهج يطرح تساؤلات حول مدى قدرته على تحقيق أهدافه السياسية، فالعقوبات قد تضعف الموارد الاقتصادية الإيرانية وتزيد الضغوط على النظام، لكنها لا تضمن بالضرورة تغيير سلوكه الإقليمي أو دفعه إلى تقديم تنازلات استراتيجية، بل إن استمرار الضغط، في ظل غياب مسار تفاوضي واضح، قد يعزز منطق المواجهة ويزيد احتمالات التصعيد، خصوصاً عندما يتداخل الملف النووي مع الصواريخ والنفوذ الإقليمي وأمن الملاحة البحرية. وفي هذا السياق، ظلت تداعيات المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران العامل الأكثر تأثيراً في معادلات الأمن الإقليمي خلال تشرين الأول، فقد استمر التوتر العسكري والتهديد المتبادل باستهداف المنشآت العسكرية ومنشآت الطاقة، بالتزامن مع تصاعد المخاوف بشأن مضيق هرمز وانعكاساته على حركة ناقلات النفط والتجارة العالمية. كما اتسعت المخاوف لتشمل أمن الخليج والبحر الأحمر، في ظل التوترات المرتبطة باليمن والهجمات التي طالت منشآت ومواقع في المنطقة. وقد ناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في12 تشرين الأول التطورات في الخليج والبحر الأحمر، وشددوا على حماية الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، ورفض فرض رسوم أو قيود أحادية على حركة الملاحة الدولية، وتعزيز الأمن البحري الأوروبي، ودعم الحلول الدبلوماسية في اليمن وضمان وصول المساعدات الإنسانية. وتكشف هذه التطورات أن الصراع مع إيران لم يعد مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف محددة، بل أصبح عاملاً مؤثراً في أمن الطاقة والتجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل التصعيد في الخليج عن التنافس الدولي على طرق التجارة ومصادر الطاقة، ولا عن المخاوف الأوروبية والآسيوية من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب الإمدادات، كما أن أي توسع في المواجهة قد يضع دول المنطقة أمام خيارات صعبة، بين تجنب الانخراط في الحرب والحفاظ على علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع الولايات المتحدة، وبين منع تحول أراضيها ومياهها الإقليمية إلى ساحات للمواجهة.

أما على الصعيد الشرق أوسطي، فقد بقي الوضع في قطاع غزة هشاً في ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض تسوية مستقرة، كما امتدت تداعياته المحلية إلى الضفة الغربية، بالتوازي مع استمرار حالة الانسداد السياسي وتأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية. وفي اليمن يعكس الوضع استمرار هشاشة التفاهمات السياسية وخطورة تحول التوترات الإقليمية إلى عامل إضافي يعيد إشعال الصراع الداخلي. أما في لبنان، فقد بقيت تداعيات المواجهة بين إسرائيل وحزب الله حاضرة في المشهد السياسي والأمني، مع استمرار الخلافات حول نزع سلاح الحزب، وانتشار الجيش اللبناني في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل الترتيبات الأمنية على الحدود. وفي إسرائيل، شكلت انتخابات الكنيست التي جرت في27 تشرين الأول تطوراً سياسياً بارزاً، في ظل الحرب الإقليمية وتداعيات حرب غزة، وبحسب النتائج الأولية حصل معسكر بنيامين نتنياهو على53 مقعداً مقابل 48 مقعداً للمعسكر المنافس، فيما حصلت الأحزاب العربية على19 مقعداً، من دون أن يتمكن أي معسكر من الوصول إلى الأغلبية المطلوبة (61 مقعداً من أصل 120). وتزداد أهمية هذه الانتخابات في ضوء الاتهامات المتعلقة باحتمال وجود تدخل أو تأثير خارجي في إرادة الناخبين، وما أثير بشأن تمويل جهات خارجية لحملات انتخابية، ومن المقرر تقديم النتائج النهائية المعتمدة إلى الرئيس إسحاق هرتسوغ في الرابع من تشرين الثاني الحالي، فيما يُنتظر أن تكشف التحقيقات التي يشارك فيها جهازا الشاباك والموساد عن مدى وجود أدلة فعلية على مخالفات انتخابية، ولذلك تبدو احتمالات إعادة الانتخابات بشكل جزئي أو على المستوى الوطني واردة، وخاصة مع احتمال ظهور أدلة قاطعة على مخالفات واسعة أثرت في النتيجة، بينما تظل إمكانية إبطال أصوات أو إعادة الاقتراع في مراكز محددة مرتبطة بما قد تكشفه التحقيقات والطعون القضائية. وتكشف النتائج الحالية – بغضّ النظر عن الجدل المحيط بها – عن حالة انقسام سياسي داخل المجتمع الإسرائيلي، وعن صعوبة تشكيل حكومة مستقرة في ظل غياب أغلبية واضحة، ومن شأن استمرار هذا المناخ أن يزيد الاستقطاب الداخلي، ويؤثر في قدرة الحكومة المقبلة على التعامل مع ملفات الحرب والأمن والعلاقات الإقليمية، مع العلم أن تحوّل الحكومة الحالية إلى حكومة تصريف أعمال لا يحجب عنها قرار الحرب بحسب القانون الإسرائيلي.

وفيما يتعلق بالمسألة الكردية في المنطقة، فقد أظهر شهر تشرين الأول أنها باتت أكثر ترابطاً من السابق، بفعل تداخل مسارات السلام والصراعات الإقليمية والتحولات في بنية الدولة السورية، فضلاً عن التأثير المباشر للمواجهة مع إيران في أمن إقليم كردستان العراق. ففي تركيا، برز مسار السلام مع حزب العمال الكردستاني بوصفه أحد أهم الملفات السياسية الكردية خلال الشهر، حيث أُعلن في12 تشرين الأول عن انسحاب مقاتلي الحزب من أربعة معسكرات في منطقة متينا في كُردستان العراق، في خطوة اعتُبرت جزءاً من مسار إنهاء الصراع المسلح.، وتأتي أهمية هذا التطور في أنه يشير إلى انتقال العملية من مستوى التصريحات السياسية إلى خطوات ميدانية قابلة للقياس، لكنه لا يكفي وحده للحكم على نجاح المسار أو استدامته، فالمشكلة الأساسية ما زالت تكمن في اختلاف ترتيب الأولويات بين الحكومة التركية وحزب المساواة وديمقراطية الشعوب(DEM) حيث تربط الحكومة الانتقال إلى الإطار القانوني والسياسي بالتأكد من انتهاء النشاط المسلح، بينما يطالب الحزب ببدء الإصلاحات السياسية والحقوقية بالتوازي مع عملية نزع السلاح، وتشكيل آلية برلمانية لمراقبة التنفيذ، كما يطالب بتحسين الظروف القانونية لعبد الله أوجلان، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وإعادة رؤساء البلديات المنتخبين الذين عُزلوا، والاعتراف الدستوري بالهوية واللغة الكرديتين، وفي هذا السياق، اكتسبت المطالب المتعلقة بمراجعة المادتين42 و 66 من الدستور التركي أهمية خاصة، لارتباط الأولى بلغة التعليم والثانية بتعريف المواطنة والهوية الوطنية، كما أن توجيه البلديات التي يديرها حزبDEM إلى إنشاء أقسام ومديريات خاصة باللغة الكردية واللغات المحلية الأخرى يمثل محاولة لتوسيع حضور اللغات المحلية في الخدمات العامة والحياة البلدية، ويدلّ هذا على أن جوهر القضية الكردية في تركيا لا يقتصر على إنهاء العمل المسلح، بل يتعلق أساساً بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومكوّناتها القومية على أساس المساواة والاعتراف بالتعدد القومي واللغوي، وسيكون نجاح مسار السلام مرهوناً بالقدرة على تجاوز الخلاف حول ترتيب الخطوات، والانتقال من التفاهمات الأمنية إلى إصلاحات سياسية ودستورية ملموسة. أما في إيران، فقد تأثرت القضية الكردية بصورة مباشرة بتداعيات الحرب الإقليمية والتوترات الأمنية على الحدود الإيرانية العراقية، حيث يستمر استهداف طهران للمعارضة الكردية حتى خارج حدود إيران، كما أعلن السفير الإيراني في بغداد في20 تشرين الأول عن اتفاق أمني بين إيران والعراق بشأن الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في إقليم كردستان، في حين لم يؤكد البيان العراقي الرسمي الصيغة الإيرانية المتعلقة بإخراج أعضاء هذه الجماعات أو تسليمهم إلى إيران، بل تحدث عن بحث تنفيذ اتفاق أمن الحدود الموقع عام 2023. وتكشف هذه التطورات عن تعقيد وضع الأحزاب الكردية الإيرانية، التي تجد نفسها أمام ضغوط متزايدة على أكثر من مستوى: الصراع الداخلي مع السلطات الإيرانية، والتوتر الإقليمي بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، والتفاهمات الأمنية بين طهران وبغداد وأربيل، كما تضع حكومة إقليم كردستان أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على علاقاتها مع إيران والعراق، وبين حماية أراضي الإقليم ومنع استخدامها ساحة لاستهداف جماعات المعارضة، وفي ظل استمرار المواجهة الإقليمية، تزداد مخاطر تعرض الإقليم لضغوط أمنية وعسكرية تتجاوز قدرته على التحكم بها. وفي العراق، بقي الخلاف بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن تشكيل الحكومة العاشرة لإقليم كردستان أحد أبرز مظاهر الأزمة السياسية الداخلية، فعلى الرغم من مرور عامين على انتخابات برلمان الإقليم في تشرين الأول 2024، لم يتمكن الحزبان الرئيسيان من التوصل إلى اتفاق نهائي، وقد عكست لقاءات رئيس الإقليم نيچيرڤان بارزاني مع المسؤولين الأمريكيين خلال الشهر استمرار الاهتمام الدولي بتسريع تشكيل الحكومة وتعزيز الوحدة الداخلية، خاصة أن استمرار الانقسام يفتح المجال أمام مزيد من التدخلات الخارجية في ظل الملفات العالقة بين بغداد وأربيل، ولاسيما تصدير النفط والإيرادات والموازنة ورواتب الموظفين والصلاحيات الدستورية والمناطق المتنازع عليها والتنسيق الأمني.

أما في سوريا، فقد شهد تشرين الأول تحركات دبلوماسية مكثفة للسلطة الانتقالية باتجاه عدد من العواصم العربية والدولية، فقد زار الرئيس أحمد الشرع الرياض في السادس من الشهر والتقى ولي العهد محمد بن سلمان وبحث معه العلاقات الثنائية وإعادة الإعمار والاستثمار والتعاون الاقتصادي، كما التقى المبعوث الأمريكي توم باراك في دمشق في21 تشرين الأول، وبحثا التطورات السورية والإقليمية والتعاون في القضايا الأمنية والاستقرار، وفي28 تشرين الأول استقبل الشرع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، حيث تناولت المباحثات أمن الحدود والتعاون التجاري والاقتصادي والممرات التجارية والقضايا الإقليمية. وتشير هذه التحركات إلى سعي دمشق إلى توسيع علاقاتها العربية والدولية، وتثبيت موقعها في المعادلات الإقليمية، وإعادة إدماج سوريا في شبكات التعاون الاقتصادي والاستثماري، كما تعكس رغبتها في الانتقال من مرحلة إدارة الأزمات الداخلية إلى مرحلة بناء علاقات خارجية تتيح الحصول على الدعم السياسي والاقتصادي والأمني، غير أن نجاح هذه السياسة سيظل مرتبطاً بقدرة هذه السلطة على تحقيق تقدم ملموس في الداخل، لأن الانفتاح الخارجي لا يمكن أن يكون بديلاً عن معالجة الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية، خاصة وأن البلد ما زال يواجه تحديات كبيرة تتعلق بالبنية التحتية والقدرة الشرائية والبطالة وتراجع الخدمات وعودة اللاجئين والنازحين، فضلاً عن الحاجة إلى مؤسسات إدارية وقضائية قادرة على العمل بشفافية وكفاءة. وفي الجنوب السوري، استمر التوتر مع إسرائيل، في ظل العمليات والتوغلات الإسرائيلية في محافظتي القنيطرة ودرعا، ومطالبة دمشق بالانسحاب إلى خطوط الثامن من كانون الأول2024 والعودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام1974 . وفي السويداء، لم تنجح التحركات السياسية خلال الشهر في الوصول إلى تسوية نهائية للأزمة بين دمشق وسلطة المحافظة، فقد بقيت الملفات عالقة وخاصة ما يتعلق بالترتيبات الأمنية والإدارية ومصير المعتقلين والمفقودين، والمصالحة بين المكونات الاجتماعية، علماً أن معالجة هذه القضية تتطلب ضمانات سياسية وأمنية وقانونية، وليس مجرد تفاهمات مؤقتة.

من جانب آخر، وفيما يتعلق بعملية الانتقال السياسي، بقيت قضايا إعداد دستور جديد، والتحضير للانتخابات البرلمانية والرئاسية المستقبلية، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية والمساءلة، وضمان مشاركة مختلف المكونات السورية، من أبرز الملفات التي تنتظر معالجة جدية، فبناء الدولة الجديدة لا يقتصر على إعادة تنظيم المؤسسات أو استعادة السيطرة الإدارية، بل يتطلب صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد يضمن الحقوق والحريات والمساواة، ويحول دون إعادة إنتاج أنماط الاستبداد والإقصاء التي أسهمت في تفكك المجتمع والدولة. وفي هذا الإطار، برزت قضية الحزام العربي في الجزيرة السورية بوصفها أحد الملفات التاريخية والقانونية التي تتطلب معالجة ضمن مسار العدالة الانتقالية، فقد دعا بيان أحزاب اللقاء التشاوري الصادر في السادس من تشرين الأول إلى إلغاء القرار رقم 521 الصادر في24 حزيران 1974 وما ترتب عليه من إجراءات تتعلق بالأراضي وإعادة توزيعها وتوطين عائلات عربية في مناطق من محافظة الحسكة، مطالباً بمراجعة شاملة لملفات الملكية، والعودة إلى السجلات والوثائق القانونية، وإعادة الحقوق إلى أصحابها، وجبر الضرر، ووقف أي تصرفات جديدة في الأراضي المشمولة بالمشروع إلى حين الانتهاء من مراجعتها. وتكمن أهمية هذا المطلب في أنه يضع مسألة الحقوق العقارية والتغيير الديموغرافي في صلب النقاش حول العدالة الانتقالية في سوريا، فمعالجة إرث السياسات التمييزية لا ينبغي أن تقتصر على الاعتراف السياسي أو الخطاب العام، بل يجب أن تتحول إلى إجراءات قانونية وإدارية تضمن استعادة الحقوق وتعويض المتضررين، مع تجنب خلق مظالم جديدة أو تحويل معالجة الماضي إلى وسيلة للانتقام والإقصاء، كما أن ربط قضية الحزام العربي بآثار الإحصاء الاستثنائي لعام1962 وسياسات التعريب والتمييز القومي يبرز ضرورة اعتماد مقاربة شاملة للقضية الكردية في سوريا.

وفي تطور مقلق برزت خلال الشهر مؤشرات توتر في العلاقة بين المكونات المحلية، على خلفية المظاهرات التي شهدتها مدينة الحسكة وما رافقها من شعارات ومواقف معادية للرموز الوطنية الكردية، وقد جاءت هذه التحركات في وقت يجري فيه الحديث عن تقدم عملية الاندماج بين قوات سوريا الديمقراطية المنحلة ومؤسسات الدولة، وفق الاتفاق الموقع في29 كانون الثاني الماضي. وتكشف هذه التطورات عن أن الاندماج لا يمثل مسألة عسكرية أو إدارية فحسب، بل يتطلب معالجة حساسة للمخاوف المتبادلة، وضمان احترام الخصوصية الكردية والحقوق السياسية والثقافية لجميع المكونات، كما أن الخطابات الاستفزازية والتعامل غير اللائق مع الرموز القومية من شأنهما تقويض الثقة وإثارة حساسيات قد تعرقل مسار التفاهم. وتبدو قضية النازحين والمهجرين في گريسپي/ تل أبيض من أكثر الملفات حساسية خلال الشهر، فقد أفادت التقارير بمنع عائلات من العودة إلى منازلها وقراها، وعن التعديات على الأراضي والممتلكات الخاصة واستثمارها من قبل مجموعات وفصائل مسيطرة على المنطقة، وتكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة مع حلول الموسم الزراعي، إذ إن استمرار استغلال الأراضي أو التصرف بها قد يؤدي إلى تكريس وقائع جديدة يصعب معالجتها لاحقاً. وقد زادت الاعتداءات التي استهدفت عائلات كردية عائدة إلى كري سبي/تل أبيض في26 تشرين الأول من خطورة الوضع، بعد تعرض العائدين للتهديد والإهانة والتخريب وإحراق السيارات، واستخدام أوصاف مهينة ذات طابع قومي، ولا يمكن النظر إلى هذه الاعتداءات باعتبارها حوادث فردية معزولة فحسب، لأنها تمس كرامة المواطنين وتثير مخاوف جدية بشأن التمييز القومي والسلم الأهلي، فالحق في العودة الآمنة والكريمة واستعادة المنازل والأراضي لا يجوز أن يخضع لموازين القوة أو للانتماء القومي أو السياسي، ومن هنا تبرز مسؤولية السلطات الانتقالية في فتح تحقيقات شفافة، ومحاسبة المتورطين، وحماية العائدين، وتشكيل لجان قضائية وحقوقية مستقلة لمعالجة النزاعات العقارية، وضمان عدم فرض أمر واقع جديد على حساب المهجرين.

في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2026

الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى