أخبار الحركةبيانات و توضيحات

قراءة في المشهد السياسي

حركة آزادي الكُردستاني في سوريا:

قراءة في المشهد السياسي

بعد ثمانين سنة من انتهاء الحرب العالمية الثانية وقيام جمهورية كُردستان الديمقراطية التي أعلن رئيسها القاضي محمد تأسيسها من العاصمة مهاباد، والذي دفع حياته ثمناً باستشهاده يوم 31 آذار 1947، وبعد نضالات طويلة وشاقة خاضها الشعب الكُردي في شرق كُردستان، جاءت الحرب الحالية بين النظام الإيراني من جهة وكل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة ثانية في لحظة إقليمية ودولية شديدة التعقيد، تتداخل فيها مسارات الحروب المفتوحة مع ترتيبات ما بعد الصراعات، وتُعاد فيها صياغة التوازنات بما يفرض على الفاعلين الكُرد قراءة دقيقة للواقع واستشرافاً مسؤولاً للمستقبل.

إن جذور الحرب الجارية لا تنفصل عن تراكمات استراتيجية طويلة، تبدأ من الصراع على النفوذ في الشرق الأوسط، مروراً بالبرنامج النووي الإيراني، وانتهاءً بتضارب المشاريع الإقليمية. وقد دخلت هذه الحرب طوراً جديداً يتجاوز الضربات المحدودة إلى محاولات إعادة تشكيل البيئة الأمنية والسياسية في المنطقة، سواء عبر استهداف البنية العسكرية الإيرانية أو عبر ضرب أذرعها في الإقليم وردع حلفائها أينما كانوا. غير أن مسار الحرب لا يزال محكوماً بسقف معين، حيث تتجنب الأطراف الانزلاق إلى حرب شاملة رغم التهديد الأمريكي بها في حال فشل الجهود الدبلوماسية، مع إبقاء باب التصعيد مضبوطاً ضمن قواعد اشتباك غير معلنة. ويعكس التفاعل الدولي مع هذه الحرب انقساماً واضحاً؛ فالدول الأوروبية تميل إلى احتواء التصعيد والدفع نحو الحلول الدبلوماسية خشية تداعيات اقتصادية وأمنية، في حين تتبنى كل من الصين وروسيا موقفاً أكثر حذراً، مع ميل واضح إلى منع انهيار النظام الإيراني لما لذلك من انعكاسات على توازن القوى العالمي. أما إقليمياً، فإن دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، تسعى إلى تجنب الانخراط المباشر، مع الاستفادة من إضعاف النفوذ الإيراني، بينما تجد تركيا نفسها في موقع معقد، تحاول فيه موازنة مصالحها الأمنية مع مخاوفها من الفوضى. وتبقى دول أخرى مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات، وهو ما يفاقم هشاشتها الداخلية. وتدور الشروط الأمريكية حول إلغاء البرنامج النووي وإنهاء صناعة الصواريخ الباليستية والمسيرات، وكبح النفوذ الإقليمي، وضبط سلوك إيران تجاه حلفاء واشنطن. ورغم وجود قنوات خلفية للتفاوض، فإن فرص الحل الدبلوماسي لا تزال رهينة بمدى استعداد طهران لتقديم تنازلات جوهرية، وهو أمر غير محسوم بالرغم من الخسائر الكبيرة التي مُنِيَ بها النظام الإيراني حتى الآن بفقدانه قيادات الصف الأول والثاني وعلى رأسهم المرشد علي خامنئي، وتدمير المصانع وسلاح الجو والأسطول البحري، وتقليص القدرة على إطلاق الصواريخ بحسب ما صرح به وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو. وفي المقابل، يظل احتمال إسقاط النظام الإيراني وارداً رغم ما يواجهه من تعقيدات داخلية وإقليمية، إلى جانب سيناريو التغيير التدريجي أو إعادة إنتاج النظام نفسه. أما بالنسبة للمكونات القومية، وخاصة القضية الكُردية في إيران، فإن هذه اللحظة تحمل فرصاً ومخاطر في آن واحد. إذ يمكن أن يؤدي إضعاف المركز إلى فتح هامش أوسع للمطالبة بالحقوق، لكن ذلك مشروط بوجود رؤية سياسية موحدة وتجنب الانجرار إلى صراعات داخلية. وفي هذا السياق، يمكن اعتبار تحالف القوى السياسية لكُردستان إيران خطوة صحيحة جاءت في الوقت المناسب، كما يأتي مؤتمر قوى المعارضة الإيرانية في لندن تحت شعار «مؤتمر حرية إيران» كمحاولة لتجميع قوى المعارضة، غير أن نتائجه تبقى محدودة حتى الآن، بسبب التباينات العميقة بين أطرافه، وعدم وضوح المشروع البديل.

وفي العراق يستمر الانسداد السياسي وتأخر تشكيل الحكومة وانتخاب رئيس الجمهورية، ما يزيد في تعميق الأزمة البنيوية للدولة. وتأتي الحرب الإيرانية لتزيد من تعقيد المشهد، خاصة مع وجود فصائل مرتبطة بطهران تمتلك نفوذاً عسكرياً وسياسياً. وفي هذا السياق، يبرز دور إقليم كوردستان كعامل توازن، سواء من خلال علاقاته الدولية أو عبر محاولته الحفاظ على الاستقرار الداخلي. غير أن المآلات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، تتراوح بين تسوية سياسية هشة أو انزلاق إلى مزيد من الفوضى. كما أن تأخر تشكيل الحكومة في إقليم كوردستان يعكس تحديات داخلية تتطلب معالجة جدية. وقد زادت الحرب الإيرانية من الضغوط على الإقليم، خاصة مع الاعتداءات التي طالت أراضيه واستهداف مقر الرئيس مسعود بارزاني ومنزل رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني، وهو ما يحمل رسائل سياسية تتعلق بدور الإقليم وعلاقاته الإقليمية. ومع ذلك، يظل الإقليم قادراً على لعب دور محوري، شريطة تعزيز وحدته الداخلية وتحصين جبهته السياسية.

وفي تركيا، يمر الوضع الداخلي بمرحلة حساسة، حيث تتقاطع الاعتبارات الاقتصادية مع التحديات الأمنية. وتبقى مسألة التفاهم مع حزب العمال الكردستاني عنصراً أساسياً في أي مسار نحو الاستقرار. وفي ظل الحرب الإيرانية، تحاول أنقرة الحفاظ على موقعها كفاعل إقليمي مستقل، مع تجنب الانخراط المباشر. وتلعب بعض التحالفات الإقليمية دوراً هاماً في السلوك السياسي والأمني التركي، فتحالف شرق المتوسط الذي يضم كلاً من اليونان وقبرص وإسرائيل، الذي تدعمه الولايات المتحدة الأمريكية، يرتبط بالغاز في شرق المتوسط ويشكل مصدر تخوف لتركيا باعتباره جبهة سياسية – اقتصادية مواجهة لها وبتعارضه مع المطالب البحرية لتركيا (خصوصاً حول قبرص) وباستبعادها من مشاريع الغاز في شرق المتوسط، ناهيك عن الخلافات التاريخية بين تركيا من جهة وقبرص واليونان من جهة أخرى. أما المحور العربي (السعودي – الإماراتي – المصري) فلا يزال يشكل مصدر قلق لتركيا بما يستند عليه من أسس سياسية وأمنية وخلافات حول بعض الملفات الإقليمية. كما يشكل الملف السوري أساساً للصراع التركي – الإسرائيلي الذي لعب دوراً أساسياً في سياقات الحرب والتغيير في سوريا.

وبالنسبة للمشهد في سوريا، فبعد أن شهدت الأشهر الماضية تطورات دراماتيكية، بدءاً من هجوم قوات دمشق على أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وصولاً إلى العمليات العسكرية التي امتدت عبر مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية، وما رافقها من انسحابات وانتهاكات جسيمة ترقى إلى جرائم حرب، في ظل غياب واضح للمحاسبة، أعيد رسم خريطة السيطرة بالتوازي مع التدخلات الدولية والإقليمية التي لعبت دوراً حاسماً في احتواء التصعيد والدفع نحو اتفاقات متتالية، كان آخرها في 29 كانون الثاني/ يناير 2026 بين السلطة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية، والذي يمثل فرصة يمكن البناء عليها، لكنه في الوقت ذاته يظل هشاً ما لم يُترجم إلى التزامات عملية. وعليه، فإن المسار الصحيح يتمثل في تثبيت وقف إطلاق النار، والالتزام بالاتفاقيات، ووضع ترتيبات عسكرية وأمنية وإدارية واضحة، بما يفتح الباب أمام حوار جدي حول القضية الكُردية في سوريا. كما شهدت الساحة السورية في شهر آذار 2026 أحداثاً مؤسفة في مدينة السقيلبية وردود فعل غاضبة من المسيحيين وكنائسهم وأبرشياتهم، وكذلك احتفالات نوروز وما رافقها من توترات وأحداث مؤسفة، ويعكس هذا عمق الأزمة المجتمعية، ما يبقي السلم الأهلي معرضاً للتهديد، وخاصة في ظل خطاب الكراهية والتحريض المستفحل والإفلات من العقاب، وسط غياب للسلطة التشريعية وتأخر العدالة الانتقالية.

وتأتي زيارة الرئيس الانتقالي أحمد الشرع في الأسبوع الأخير من شهر آذار إلى كل من ألمانيا وبريطانيا لتركز على ملفات مهمة أبرزها الملف الاقتصادي وإعادة الإعمار، وكذلك ملف اللاجئين السوريين وإعادة العلاقات الدبلوماسية والدعم السياسي للمرحلة الانتقالية والتعاون الأمني والإنساني. ففي زيارته إلى ألمانيا تمت لقاءات مع كبار المسؤولين الذين أكدوا على دعم استقرار سوريا وإعادة إعمارها، كما أُبرِمت اتفاقات وتفاهمات مع شركات ألمانية وتم بحث التحضير لإطلاق لجنة اقتصادية سورية – ألمانية مشتركة وسط اهتمام ألماني بزيادة الاستثمار في سوريا، كما تم نقاش ملف اللاجئين وإمكانية عودتهم إلى سوريا وتنظيم ذلك بشكل تدريجي. أما زيارته إلى بريطانيا فتعدّ خطوة في تطبيع العلاقات الثنائية، حيث تم اللقاء مع مسؤولين بريطانيين رفيعي المستوى وبحث فرص الاستثمار البريطاني في سوريا والشراكات في الطاقة والبنية التحتية، بالإضافة إلى التنسيق الأمني وتبادل الخبرات لمواجهة التحديات المشتركة. ومن حيث النتيجة يمكن قراءة هذه الزيارات من الناحية الاقتصادية كمحاولة لجذب الاستثمارات وبدء مرحلة إعادة الإعمار، ومن الناحية السياسية كسعي لكسر العزلة وإعادة دمج سوريا في أوروبا، ومن الناحية الإنسانية كدفع باتجاه معالجة ملف اللاجئين السوريين. إلاّ أن الواقع الأمني والسياسي والإنساني داخل سوريا يشكل عقبة أساسية في وجه الطموحات المشار إليها، لذا نرى أن الملفات الداخلية لها الأولوية، بل إن معالجتها تشكل أساساً يمكن البناء عليه في الجهود الخارجية، وأن هشاشة الوضع الداخلي ببنيتيه التحتية والفوقية تقف سداً في وجه أية محاولات لكسب الاعتراف والدعم الخارجيين.

في 1 نيسان 2026

الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى