قراءة في المشهد السياسي لشهر تموز 2026

يبدو المشهد الدولي والإقليمي والسوري وكأنه يدخل مرحلة جديدة تتجاوز منطق إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة تشكيل موازين القوى والنظامين الإقليمي والدولي. فلم تعد الحروب الدائرة مجرد نزاعات منفصلة، بل أصبحت حلقات مترابطة ضمن صراع واسع على النفوذ، والطاقة، والممرات التجارية، وأشكال الحكم، وهو ما ينعكس على مستقبل سوريا وموقعها في التوازنات الجديدة.
فعلى المستوى الدولي، مثّل إصدار الصين في 17 حزيران/يونيو الورقة البيضاء بعنوان «حوكمة عالمية أكثر عدلاً وإنصافاً» إعلاناً سياسياً عن رؤية بكين للنظام الدولي المقبل. فالوثيقة، المستندة إلى مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس شي جين بينغ، تؤكد ثلاثة مرتكزات رئيسة: تكريس عالم متعدد الأقطاب، والإبقاء على الأمم المتحدة في قلب الشرعية الدولية، ومنح دول الجنوب العالمي دوراً أكبر في صناعة القرار الدولي. وتعكس هذه الوثيقة انتقال الصين من سياسة التركيز على القوة الاقتصادية إلى السعي للمشاركة المباشرة في صياغة قواعد النظام الدولي الجديد، في مواجهة استمرار الهيمنة الغربية التقليدية. ويتزامن هذا مع استمرار التراجع النسبي لقدرة الولايات المتحدة على فرض ترتيبات أحادية، الأمر الذي يجعل العالم يتجه بصورة متزايدة نحو التعددية القطبية، وإن كانت لا تزال غير مستقرة، حيث تتنافس القوى الكبرى على إعادة رسم قواعد النفوذ دون الوصول إلى تفاهمات استراتيجية مستقرة.
وفي هذا السياق، شكّل تجدد المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران التطور الأخطر خلال شهر تموز/ يوليو المنصرم، بعدما كشف انهيار مذكرة التفاهم السابقة عن وجود قراءتين متناقضتين لها. فقد اعتبرت واشنطن أن وقف العمليات العسكرية يجب أن يفتح الطريق أمام منع إيران من إعادة بناء قدراتها النووية والصاروخية، بينما رأت طهران أن وقف الحرب لا يعني التخلي عن عناصر القوة التي تعتبرها ضمانة لبقائها ومكانتها الإقليمية. ويكشف هذا التناقض غياب قناعة استراتيجية لدى الطرفين بإنهاء الصراع، فكل منهما لا يزال يعتقد أن بإمكانه تحسين موقعه في ميزان القوى. فالولايات المتحدة وإسرائيل خرجتا من المواجهة مقتنعتين بتفوقهما العسكري، لكنهما لم تتمكنا من تحويل هذا التفوق إلى نصر سياسي حاسم. وفي المقابل، ازدادت إيران اقتناعاً بأن قدرتها على الصمود، وتهديد المصالح الأمريكية، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وإرباك أسواق الطاقة العالمية، تمنع خصومها من فرض هزيمة كاملة عليها.
ومن هنا، فإن استئناف الحرب لا يتعلق فقط بالملف النووي الإيراني، بل بالصراع على شكل النظام الأمني الجديد في الخليج والشرق الأوسط. فإيران تسعى إلى تحويل قدرتها على الصمود إلى اعتراف بدورها الإقليمي، بينما تعمل الولايات المتحدة على منع تحول هذا الواقع إلى قاعدة جديدة في العلاقات الإقليمية. كما أن استئناف الضربات الجوية الأمريكية ضد إيران، ولا سيما بعد مشاركة السعودية في استهداف مواقع مرتبطة بالحشد الشعبي في العراق، فتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة رسم ميزان القوى في المنطقة، مع احتمالات اتساع ساحات الاشتباك لتشمل العراق ولبنان واليمن، فضلاً عن انعكاساتها المحتملة على الداخل السوري. وفي ضوء ذلك، يدخل الشرق الأوسط مرحلة أكثر هشاشة، ترتفع فيها احتمالات التصعيد العسكري، وتتراجع فرص التسويات السياسية، بما يزيد من تعقيد الملفات السورية والعراقية واللبنانية، ويجعل أمن الخليج والطاقة العالمية أكثر ارتباطاً بنتائج هذه المواجهة.
وبالتوازي مع ذلك، عاد التصعيد الروسي الأوكراني بقوة خلال شهر تموز، وسط غياب كامل لمسار تفاوضي حقيقي. فروسيا لا تزال متمسكة بالمناطق التي سيطرت عليها في شرق أوكرانيا، فيما يواصل الأوروبيون تعزيز دعمهم العسكري لكييف، أملاً في رفع كلفة الحرب على موسكو اقتصادياً وعسكرياً. غير أن العامل الأهم يبقى أن أياً من الطرفين لم يصل بعد إلى قناعة بأن ميزان القوى العسكري استنفد إمكاناته، وهو ما يجعل استمرار الحرب الخيار الأكثر ترجيحاً في المدى المنظور، مع استمرار استنزاف الطرفين، واستمرار انعكاسات الحرب على الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة والغذاء.
وفي السياق ذاته، جاءت قمة حلف شمال الأطلسي التي انعقدت في أنقرة يومي 7 و8 تموز لتؤكد أن الحلف دخل مرحلة إعادة توزيع الأعباء بين الولايات المتحدة وأوروبا. فرغم تأكيد البيان الختامي الالتزام بالمادة الخامسة، واستمرار دعم أوكرانيا، وزيادة الإنفاق الدفاعي، فإن الأهمية السياسية للقمة تجلت بصورة أكبر في ثلاثة ملفات رئيسة: أولها، إعادة تعريف العلاقة الأمريكية الأوروبية، حيث بات واضحاً أن واشنطن لم تعد مستعدة لتحمل الكلفة الأمنية السابقة، بينما لم تنجح أوروبا بعد في بناء استقلال دفاعي كامل، ما يدفع نحو صيغة جديدة يتحمل فيها الأوروبيون مسؤوليات مالية وعسكرية أكبر. وثانيها، التحول في العلاقات الأمريكية التركية، حيث لم تعد تركيا مجرد شريك إشكالي داخل الحلف، بل أصبحت قوة إقليمية مستقلة نسبياً، تمتلك هامشاً واسعاً للمناورة بين الغرب وروسيا والعالم الإسلامي. أما الملف الثالث، فيتعلق بالدور التركي المتنامي في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، ولا سيما في سوريا والعراق وشرق المتوسط.
وتنعكس هذه التحولات مباشرة على سوريا، التي بات مستقبلها مرتبطاً بثلاثة مستويات متداخلة من الصراع: فعلى المستوى الداخلي، لا تزال عملية بناء مؤسسات الدولة، وضمان المشاركة السياسية، وإعادة الاستقرار الأمني، تمثل تحديات جوهرية أمام السلطة الانتقالية. وعلى المستوى الإقليمي، يستمر التنافس بين تركيا وإسرائيل والدول العربية على رسم مستقبل سوريا، وفق اعتبارات أمنية واستراتيجية متباينة. أما على المستوى الدولي، فتسعى الولايات المتحدة وأوروبا إلى منع تحول سوريا إلى منصة لنفوذ خصومهما أو مصدر تهديد أمني جديد. وفي هذا الإطار، تتعامل إسرائيل مع سوريا ضمن معادلة أمنية جديدة، تقوم على منع عودة النفوذ العسكري الإيراني، ومنع تشكل قوة عسكرية سورية معادية قرب حدودها، وفي الوقت نفسه رفض الهيمنة التركية الكاملة على شمال سوريا، مع تفضيل ترتيبات أمنية تضمن بقاء البلاد في حالة «استقرار ضعيف» يمنع الفوضى دون السماح بقيام دولة سورية قوية قادرة على تغيير موازين القوى. كما بات أمن الحدود الشمالية لإسرائيل يرتبط بصورة وثيقة بأمن الطاقة في شرق البحر المتوسط، حيث يتقاطع النفوذ التركي في سوريا مع الطموحات البحرية لأنقرة، ما يدفع تل أبيب إلى دعم ترتيبات أمنية دولية تحد من تمدد أي قوة إقليمية منفردة.
ومن زاوية أخرى، عاد الصراع على الممرات التجارية والمائية ليحتل موقعاً مركزياً في التنافس الدولي، من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر، مروراً بالمضائق التركية، وصولاً إلى الممرات البرية البديلة. ويعني ذلك أن الموقع الجغرافي عاد ليشكل مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن القوة العسكرية والاقتصادية. وفي هذا السياق، يكتسب مشروع إعادة تأهيل خط أنابيب النفط العراقي السوري، الذي أعلن عنه في 17 تموز، أهمية استراتيجية كبيرة، إذ يمثل محاولة لإحياء ممر طاقة يربط النفط العراقي بموانئ البحر المتوسط، ويمنح سوريا فرصة لاستعادة جزء من دورها الجيوسياسي كممر للطاقة والتجارة الإقليمية. كما أن زيارة رئيس الوزراء العراقي إلى تركيا، وما رافقها من توقيع اتفاقيات ثنائية، تؤكد أن العراق بات جزءاً من عملية إعادة تشكيل الممرات التجارية الإقليمية، سواء عبر مشروع طريق التنمية، أو عبر مشاريع الطاقة والنقل المشتركة.
أما في الملف الإسرائيلي – الفلسطيني، فقد شكّل الإعلان الصادر يوم أمس في 31 تموز عن التوصل إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح حماس وبقية الفصائل المسلحة في غزة، ضمن خارطة طريق تشمل وقف إطلاق النار، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وإدارة فلسطينية جديدة، وقوة دولية مؤقتة، تطوراً مهماً من الناحية السياسية، رغم استمرار الخلاف حول ترتيب تنفيذ بنوده، ولا سيما مسألة أولوية الانسحاب الإسرائيلي أو نزع السلاح. ويعكس ذلك استمرار الصراع بين منطق الحلول الأمنية ومنطق التسويات السياسية، وهو التحدي ذاته الذي يواجه معظم أزمات المنطقة.
أما في تركيا، فقد شهد شهر تموز تطورات سياسية لافتة، أبرزها استعداد البرلمان لمناقشة مشروع قانون حل القضية الكُردية، الذي يتضمن خارطة طريق لإنهاء النزاع المسلح ونزع سلاح حزب العمال الكردستاني، بالتوازي مع استمرار النقاش حول وضع عبد الله أوجلان ومستقبل العملية السياسية. وفي المقابل، تعرضت المعارضة التركية لهزة كبيرة بعد انشقاق أوزغور أوزيل وتأسيسه حزباً جديداً، ما أحدث تغيراً مهماً في التوازنات الداخلية، وقد ينعكس على المشهد السياسي التركي وعلى فرص نجاح عملية السلام، ذلك المشهد الذي أضيف إليه في نهاية شهر تموز إعلان رئيس حزب المستقبل ورئيس الوزراء التركي السابق أحمد داود أوغلو اعتزاله النشاط السياسي وإنهاء أنشطة حزب المستقبل، «حرصا على تجنب الانخراط في المناخ السياسي الفاسد في البلاد» كما ذكر، موضحاً أن «النظام السياسي في تركيا يمر بأزمة عميقة، وأن الهيكل الحالي يقوض العمل الديمقراطي والأخلاقيات السياسية».
وفي سوريا، يستمر الجدل حول شكل الدولة الجديدة، بين دعاة المركزية التقليدية، وأنصار اللامركزية وتقاسم السلطات. ويبدو أن هذا الملف سيظل محور الخلاف السياسي الأكبر خلال المرحلة المقبلة، لأنه يرتبط مباشرة بمستقبل العلاقة بين المركز والمكونات القومية والدينية. وشهدت البلاد خلال شهر تموز خطوات أبرزها تشكيل «المحكمة الدستورية العليا،» وافتتاح «مجلس الشعب» الجديد، واستمرار تنفيذ بعض بنود اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ولا سيما في مجالات الاندماج الإداري والقضائي. غير أن هذه الخطوات ما تزال تواجه انتقادات واسعة تتعلق بغياب الشمولية، وضعف استقلال السلطات، واستمرار هيمنة السلطة التنفيذية على المؤسستين التشريعية والقضائية. كما أثارت اللائحة الداخلية لمجلس الشعب انتقادات كبيرة، بعدما منحت مكتب المجلس صلاحيات واسعة في تحديد جدول الأعمال، وتسمية رؤساء اللجان، وأضعفت أدوات الرقابة البرلمانية، ومنعت تشكيل الكتل السياسية داخل المجلس، بما يجعل المجلس أقرب إلى هيئة استشارية منه إلى سلطة تشريعية مستقلة. ويضاف إلى ذلك استمرار القيود على الحريات السياسية، وتقييد حق التظاهر، وضعف المشاركة الحزبية، بما يعزز المخاوف من إعادة إنتاج الاستبداد بأدوات جديدة، تقوم على التعيين والمحاصصة بدلاً من المشاركة الشعبية الحقيقية.
وفي المقابل، أكدت إحاطة نائب المبعوث الأممي أمام مجلس الأمن في 21 تموز أن الفرصة ما تزال قائمة أمام سوريا إذا نجحت في بناء مؤسسات شاملة وخاضعة للمساءلة، وتعزيز الثقة بين مختلف المكونات، وترسيخ استقلال السلطتين التشريعية والقضائية، باعتبار ذلك شرطاً أساسياً لنجاح أي انتقال سياسي مستدام. كما شددت لجنة التحقيق الدولية، في ختام زيارتها إلى سوريا، على ضرورة شمول جميع أطراف النزاع بآليات العدالة الانتقالية، وضمان الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، بما يمنع تكرار الانتهاكات. وفي السياق الحقوقي، سلطت الرسالة المشتركة التي وجهتها منظمات حقوقية إلى المقررين الخاصين المعنيين في الأمم المتحدة الضوء على استمرار الانتهاكات والعوائق التي تمنع عودة المهجرين قسراً إلى سري كانيه/رأس العين وتل أبيض، بما في ذلك الاستيلاء على الممتلكات، والتمييز ضد السكان الأصليين، وغياب آليات رد الحقوق وجبر الضرر، وهو ما يؤكد أن معالجة آثار النزاع ما تزال بعيدة عن الحل.
وعلى المستوى الأمني، استمرت مظاهر الفوضى، وانتشار السلاح، وتصاعد جرائم الخطف والقتل والسطو (كما حدث يوم أمس في قرية مندك بمنطقة كوباني حيث اقتحم مسلحون يرتدون الزي العسكري منزل مواطن كُردي واستولوا على نحو 1600 رأس من الأغنام ومبالغ كبيرة، قبل أن يغادروا المكان)، بما يعكس هشاشة مؤسسات الدولة وضعف سيادة القانون. وفي هذا السياق، جاء تصريح حركة آزادي في 22 تموز ليؤكد أن أمن الإنسان وكرامته وحريته يشكل الأساس الحقيقي للاستقرار والشرعية، وأن نجاح أي مشروع وطني لإعادة بناء سوريا يبقى مرهوناً بفرض سيادة القانون وإنهاء السلاح المنفلت والجماعات الخارجة عن القانون.
كما أثارت التعيينات الأخيرة في مؤسسات الدولة، ولا سيما في محافظة الحسكة، انتقادات واسعة بسبب غلبة الاعتبارات الحزبية والشخصية على معايير الكفاءة، وهو ما يعمق الشعور بالإقصاء لدى شرائح واسعة من المجتمع. وفي هذا الإطار نعيد التأكيد على أن القضية الكُردية تبقى أحد أهم مفاتيح الاستقرار في سوريا الجديدة، فهي ليست قضية تعيينات أو ترتيبات إدارية مؤقتة، بل قضية سياسية ووطنية تتطلب حواراً جدياً بين ممثلي الشعب الكُردي والسلطة في دمشق، يقوم على الاعتراف المتبادل والشراكة الوطنية، ويهدف إلى ضمان الحقوق القومية المشروعة ضمن إطار وحدة سوريا وسيادتها، وبناء دولة ديمقراطية تعددية لامركزية. وارتباطاً بالسياق نشير إلى أن الأزمة الداخلية للحركة السياسية الكُردية السورية، واستمرار الانقسام بين محاورها المختلفة، وغياب مرجعية قومية موحدة مستقلة القرار، يضعف قدرة الكُرد على استثمار التحولات الإقليمية والدولية لصالح مشروع سياسي جامع.
وفي المحصلة، تفيد تطورات تموز 2026 أن العالم يتجه نحو مرحلة انتقالية تتراجع فيها قدرة القوى الكبرى على فرض إرادتها منفردة، بينما تزداد أهمية الموقع الجغرافي، والطاقة، والممرات التجارية، وقدرة القوى المتوسطة على التأثير في موازين القوى. كما تؤكد أن التفوق العسكري التقليدي لم يعد كافياً لتحقيق الانتصار السياسي، وأن الحروب الحديثة أصبحت حروب استنزاف وإدارة كلفة أكثر منها حروب حسم. أما بالنسبة لسوريا، فإن نجاحها في الانتقال إلى الاستقرار لن يتوقف فقط على إعادة بناء المؤسسات أو تحسين الوضع الاقتصادي، بل على قدرتها على إنتاج عقد وطني جديد يقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والفصل بين السلطات، واحترام التنوع القومي والديني، وضمان مشاركة جميع السوريين في صنع مستقبل بلادهم، بالتوازي مع إدارة متوازنة للتدخلات الإقليمية والدولية. وفي غياب مثل هذا العقد، ستبقى البلاد عرضة لإعادة إنتاج الأزمات، مهما تبدلت موازين القوى أو تبدلت التحالفات الدولية.
في 1 آب/ اوغوست 2026
الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا



