قراءة في المشهد السياسي لسوريا ومحيطها الإقليمي

تشهد المنطقة اليوم مرحلة تاريخية من التحولات العميقة وإعادة صياغة التوازنات السياسية والأمنية والاقتصادية، بحيث لم تعد الأزمات المحلية منفصلةعن السياقات الإقليمية والدولية الأوسع، وفي مقدمتها الأزمة السورية التي تحولت من نزاع داخلي على السلطة إلى إحدى القضايا المركزية المؤثرة في عملية إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد فبعد أكثر من خمسة عشر عاماً من الحرب والانهيارات المتتالية، لم تعد سوريا مجرد دولة تعيش أزمة سياسية داخلية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فوقها المشاريع الإقليمية والدولية، وتتداخل فيها حسابات الأمن والطاقة والنفوذ والممرات التجارية، الأمر الذي يجعل مستقبلها مرتبطاً بصورة متزايدة بالتحولات الجارية في الإقليم والعالم.
لقد كشفت التطورات الأخيرة عن ملامح مرحلة جديدة تتجه فيها المنطقة نحو إعادة ترتيب خرائط النفوذ والتوازنات. فالحرب التي استمرت ثمانية وثلاثين يوماً بين الولايات المتحدة وإيران، وما أعقبها من وقف لإطلاق النار مع بقاء العديد من الملفات الخلافية دون حسم، أكدت أن المنطقة دخلت مرحلة إدارة الصراعات وإعادة تنظيم المصالح أكثر مما هي مرحلة الحروب المفتوحة. كما أن المسار التفاوضي المتصاعد بين إسرائيل ولبنان، برعاية أمريكية مباشرة، يعكس وجود توجه إقليمي ودولي نحو بناء ترتيبات أمنية وسياسية جديدة تتجاوز الصيغ التقليدية التي حكمت المنطقة لعقود طويلة، وتستند إلى إعادة تعريف مفاهيم الأمن والاستقرار والتحالفات. وفي الوقت ذاته، فإن اللقاء الأمريكي الصيني والتفاهمات التي توصل الجانبان إليها بشأن التعاون الاقتصادي والاستثماري، إضافة إلى الاتفاق على منع امتلاك إيران للسلاح النووي وضرورة ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، يؤكد أن القوى الدولية الكبرى تتعامل مع الشرق الأوسط بوصفه جزءاً من منظومة المصالح العالمية المرتبطة بالطاقة والتجارة والاستقرار الدولي. ومن هنا فإن أي قراءة للمشهد السوري لا يمكن أن تكون منفصلة عن هذه التحولات الكبرى التي تتجاوز حدود الجغرافيا السورية نفسها.
ضمن هذا السياق، استعادت سوريا جزءاً مهماً من وزنها الجيوسياسي رغم حجم الدمار الذي أصابها. فالموقع الجغرافي الذي يربط الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط، إضافة إلى موقعها في قلب المشرق العربي، يمنحها أهمية استثنائية في مشاريع الطاقة والنقل والممرات التجارية التي يجري التفكير بها في مرحلة ما بعد الأزمات. وقد أظهرت التطورات المرتبطة بمضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي مدى أهمية المسارات البرية البديلة، وهو ما يجعل الأراضي السورية جزءاً من معادلات اقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود الدولة السورية نفسها. وفي المقابل، فإن هذا الموقع الاستراتيجي يجعل سوريا أيضاً ساحة تنافس بين مشاريع متعارضة. فإسرائيل تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءاً من منظومة الأمن الإقليمي الجديدة وتسعى إلى منع أي إعادة تشكل لنفوذ إيراني أو لقوى معادية بالقرب من حدودها. أما تركيا فترى أن شكل الدولة السورية ومستقبل المناطق الكُردية وطبيعة النظام السياسي المقبل كلها قضايا ترتبط مباشرة بأمنها القومي وموقعها الإقليمي. كما تسعى الدول العربية إلى استعادة دورها في سوريا من بوابة إعادة التوازن الإقليمي وربط إعادة الإعمار والاستقرار بعملية سياسية أكثر شمولاً، وإن كانت قدرتها على التأثير ما تزال محدودة مقارنة بحجم الأدوار الدولية والإقليمية الأخرى.
أما داخلياً، فإن المشهد السوري ما يزال يعكس أزمة عميقة تتعلق بطبيعة الدولة وهويتها ومستقبلها. فما جرى خلال السنوات الماضية لم يكن مجرد انتقال سياسي بالمعنى المتعارف عليه، ولم يكن مجرد تغيير في موازين القوى داخل السلطة، بل كان انهياراً تدريجياً لفكرة الدولة المركزية التي حكمت البلاد لعقود طويلة. واليوم لا يقتصر السؤال على من يحكم سوريا، بل يمتد إلى طبيعة سوريا التي يجري بناؤها، ولصالح أي مشروع سياسي ومجتمعي. ورغم محاولات السلطة الانتقالية تقديم نفسها بوصفها عنواناً للاستقرار وإعادة توحيد البلاد، فإن الوقائع على الأرض تكشف استمرار أزمات بنيوية عميقة. فما تزال السلطة شديدة المركزية، وما تزال المشاركة السياسية الحقيقية لمختلف المكونات محدودة، كما أن العديد من القضايا الوطنية الكبرى لم تعالج ضمن إطار وطني توافقي جامع. وقد أظهرت الأحداث التي شهدتها مناطق الساحل والسويداء والشيخ مقصود ومناطق أخرى أن سوريا لم تنجح بعد في الانتقال من منطق الغلبة والإقصاء إلى منطق الشراكة الوطنية والتوافق الديمقراطي، وأن الانقسامات المجتمعية التي خلفتها سنوات الحرب ما تزال قائمة وقابلة للانفجار في أي لحظة. كما أن الأزمة الاقتصادية الخانقة تمثل أحد أخطر التحديات التي تواجه البلاد. فالفقر والبطالة وتراجع الخدمات الأساسية وانهيار البنى الإنتاجية ما تزال عوامل تهدد الاستقرار الاجتماعي والسياسي. ورغم أهمية قرار الاتحاد الأوروبي رفع العقوبات عن بعض القطاعات الاقتصادية واستئناف اتفاقيات التعاون مع سوريا، إلا أن هذا الانفتاح الدولي جاء مقروناً بشروط واضحة تتعلق ببناء دولة تعددية وضمان الحقوق والحريات وإطلاق سراح المعتقلين والكشف عن مصير المفقودين وإنجاز العدالة الانتقالية. وهو ما يؤكد أن المجتمع الدولي ما يزال ينظر إلى الاستقرار في سوريا بوصفه مرتبطاً بإنجاز عملية سياسية حقيقية لا بمجرد إعادة تأهيل السلطة القائمة. وفي هذا الإطار، فإن التقرير الأوروبي الأخير حول المجتمع المدني السوري يكتسب أهمية خاصة عندما يشير إلى محدودية تمثيل الكُرد والدروز والعلويين والمسيحيين والنساء في مسارات الانتقال السياسي، وإلى استمرار هشاشة العملية السياسية ومركزية السلطة. وهذه المعطيات تؤكد صحة المخاوف التي عبرت عنها القوى الديمقراطية السورية منذ بداية المرحلة الانتقالية بشأن مخاطر إعادة إنتاج أنماط الحكم القديمة بأشكال جديدة.
وتبقى القضية الكُردية إحدى القضايا الوطنية الأساسية التي لا يمكن تجاوزها أو تأجيلها أو التعامل معها بوصفها ملفاً أمنياً أو إدارياً، فهي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية، وهي قضية سياسية وديمقراطية تتعلق بالاعتراف الدستوري والحقوق القومية والشراكة الحقيقية في بناء الدولة السورية الجديدة. ولذلك فإن أي حديث عن الاستقرار أو الديمقراطية أو الوحدة الوطنية يبقى ناقصاً ما لم يترافق مع حل عادل وشامل للقضية الكُردية ضمن إطار سوريا موحدة وديمقراطية ولامركزية. فاختزال هذه القضية في بعض الإجراءات الإدارية أو المناصب أو التعيينات أو المراسيم التنفيذية لا يعالج جوهر المشكلة، بل المطلوب هو الاعتراف الدستوري بالشعب الكُردي وحقوقه القومية، وضمان حقه في حكم مناطقه ضمن نظام ديمقراطي لامركزي، واعتماد اللغة الكُردية لغة رسمية إلى جانب العربية، ومعالجة آثار السياسات الاستثنائية التي مورست بحق الكُرد لعقود طويلة، وفي مقدمتها مشاريع التعريب والحزام العربي والتغيير الديمغرافي وما ترتب عليها من مظالم تاريخية. وإذ ترى حركة آزادي أن التفاهمات والترتيبات الأمنية والإدارية القائمة ما تزال هشة وقاصرة عن معالجة جوهر القضية السورية، وبعيدة بشكل خاص عن تناول القضية الكُردية في سوريا والحل العادل والسليم لها ضمن إطار وطني ديمقراطي يضمن الحقوق القومية المشروعة للشعب الكُردي، وأنه لا يمكن اختزال قضية شعبنا الكُردي في سوريا، بوصفها قضية قومية لشعب أصيل، إلى مجرد بعض الوظائف والمواقع الإدارية التي يتقاتل عليها – بكل أسف – بعض الأطراف الكُردية، فإنها تؤكد على موقفها من تشكيل “مجلس الشعب”، وتشدد على أن أي مؤسسة تشريعية أو تمثيلية لا تستند إلى أسس ديمقراطية حقيقية، ولا تعبّر عن التعدد القومي والسياسي في سوريا، ولا تضمن المشاركة العادلة لجميع المكونات، لن تكون قادرة على تمثيل السوريين أو معالجة أزماتهم الوطنية.
إن سوريا تقف اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما. فإما أن تتجه نحو تسوية تاريخية شاملة تؤسس لدولة المواطنة والشراكة والتعددية واللامركزية، وتعترف بحقوق جميع مكوناتها القومية والدينية والثقافية دون تمييز، وإما أن تستمر كساحة مفتوحة للتجاذبات الخارجية والصراعات الإقليمية، بما يجعل مستقبلها رهينة لتوازنات القوى ومصالح الآخرين أكثر من كونه نتاجاً لإرادة السوريين أنفسهم. وانطلاقاً من ذلك، نرى أن المدخل الحقيقي لإنقاذ سوريا يبدأ بعقد مؤتمر حوار وطني شامل يضم جميع القوى السياسية والاجتماعية والمدنية دون إقصاء، وتشكيل حكومة وحدة وطنية تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوري، وإصدار قانون ديمقراطي للأحزاب يضمن الحريات السياسية، وانتخاب جمعية تأسيسية عبر اقتراع حر ونزيه تتولى صياغة دستور توافقي دائم للبلاد يعرض على الاستفتاء الشعبي، ويكفل حقوق جميع السوريين، ويؤسس لدولة ديمقراطية لامركزية قائمة على الشراكة والعدالة والاعتراف المتبادل.
إن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط في دمشق، كما لن يتقرر حصراً في العواصم الإقليمية والدولية، بل سيتحدد بمدى قدرة السوريين على إنتاج عقد وطني جديد يعالج جذور الأزمة التاريخية، ويؤسس لدولة تتسع لجميع أبنائها. وفي قلب هذا الاستحقاق الوطني تبرز ضرورة الاعتراف بالتنوع القومي والسياسي والثقافي بوصفه مصدر غنى وقوة، لا بوصفه مشكلة ينبغي إنكارها أو تهميشها. ومن هنا فإن حل القضية الكُردية حلاً ديمقراطياً عادلاً، إلى جانب معالجة بقية القضايا الوطنية العالقة، يشكل شرطاً أساسياً لبناء سوريا مستقرة وآمنة وديمقراطية وقادرة على أن تكون شريكاً فاعلاً في الشرق الأوسط الجديد الذي تتشكل ملامحه اليوم.
في 1 حزيران/ يونيو 2026
الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا


