أخبار الحركةبيانات و توضيحات

قراءة في المشهد السياسي لشهر آب/أغسطس 2026

شهد شهر آب/أغسطس 2026 المنصرم تطورات متسارعة أعادت التأكيد على أن الشرق الأوسط، ومعه النظام الدولي، يدخلان مرحلة إعادة تشكيل عميقة لا تقتصر على تغيير الحكومات أو إسقاط المشاريع السياسية، بل تمتد إلى إعادة بناء منظومات الأمن والتحالفات وموازين النفوذ والحدود السياسية الفعلية، وفي الوقت نفسه، بقيت الحرب الروسية – الأوكرانية مفتوحة، بينما تحولت المواجهة الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران إلى حرب استنزاف طويلة ذات أبعاد عسكرية واقتصادية وجيوسياسية، أخذت تداعياتها تتجاوز إيران وإسرائيل والولايات المتحدة لتطال الخليج ولبنان وسوريا والعراق وأسواق الطاقة العالمية.

فعلى الصعيد الدولي، لم يحمل شهر آب نهاية للحرب في أوكرانيا، بل أكد استمرارها بوصفها واحدة من أكثر أزمات النظام الدولي استعصاءً، فقد واصلت روسيا عملياتها الجوية والصاروخية الواسعة، بينما كثفت أوكرانيا ضرباتها بعيدة المدى ضد المطارات ومنشآت إطلاق المسيّرات والبنى العسكرية الروسية ومصافي البترول ومحطات الطاقة، وفي نهاية الشهر كان واضحاً أن الحرب لا تزال تتحرك بين المسار العسكري والمساعي الدبلوماسية من دون اختراق حاسم؛ بل إن الولايات المتحدة أكدت يوم أمس (في 31 آب) أن أي تخفيف اقتصادي عن روسيا لن يكون ممكناً قبل إنهاء الحرب، وهذا يعني أن الرهان على تسوية سريعة لم يتحول إلى واقع، وأن الحرب الأوكرانية ما زالت جزءاً من الصراع الأوسع على شكل النظام الدولي بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة وروسيا والصين وشركائهما من جهة أخرى.

أما الحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، فقد دخلت خلال شهر آب مرحلة مختلفة. فبعد الضربات العسكرية التي أضعفت القدرات النووية والصاروخية الإيرانية وأصابت البنية القيادية للنظام، لم يؤدِ ذلك إلى انهيار الجمهورية الإسلامية، بل ساهم في دفعها إلى مزيد من التشدد والتعبئة الأمنية والقومية. وأثبتت التجربة مجدداً أن الأنظمة الشمولية قد تتعرض لاستنزاف هائل بفعل الحرب والعقوبات والحصار، لكنها لا تسقط بالضرورة ما لم تتوافر شروط داخلية وإقليمية ودولية أكثر تعقيداً. ومع استمرار المواجهة لأكثر من ستة أشهر، تحولت الحرب تدريجياً إلى حرب استنزاف مرتبطة بصورة خاصة بمضيق هرمز والطاقة والقدرة على إبقاء الاقتصاد الإيراني متماسكاً، وفي نهاية شهر آب عادت الولايات المتحدة إلى ضرب مواقع عديدة في ايران، منها أهداف في جزيرة لارك، مع التهديد بتوسيع الحرب، وردت إيران بصواريخ باتجاه مواقع أمريكية في الأردن.

وفي هذا السياق جاءت في 20 آب العقوبات الأمريكية على شبكة مؤلفة من عشرة أفراد تعمل على نقل الأموال النقدية إلى حزب الله، عبر شبكة من الوسطاء والرحلات الجوية بين لبنان وتركيا والإمارات وإيران، بما يكشف استمرار الحرب المالية على شبكة النفوذ الإيرانية حتى خارج الأراضي الإيرانية، ثم جاءت في 24 آب عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة الأمريكية، مستهدفة الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن، في محاولة لخنق الروابط الاقتصادية الخارجية للنظام الإيراني.

وتبدو مقارنة السلوك الأمريكي الراهن بمواجهة إيران مع سياسة واشنطن تجاه العراق بعد تحرير الكويت مفيدة، ولكنها ليست مطابقة. فقد تستطيع الولايات المتحدة إضعاف النظام الإيراني بشدة عبر العقوبات والحصار والضربات، لكنها تواجه بيئة دولية مختلفة جذرياً عن مطلع التسعينيات، فالصين وروسيا موجودتان كقوتين دوليتين قادرتين على توفير منافذ سياسية واقتصادية واستراتيجية لطهران، ولم تعد الولايات المتحدة تتمتع بالاحتكار النسبي للنظام الدولي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفييتي. ولذلك فإن إسقاط النظام الإيراني بالقوة أو عبر الضغط الخارجي يظل احتمالاً مختلفاً تماماً عن مجرد إضعافه أو إجباره على تغيير سلوكه.

وفي سياق متمم لم تحسم الملفات الإقليمية المرتبطة بإيران بعد، ففي غزة بقيت الهدنة هشة، ولم يتحقق الاتفاق النهائي حول نزع سلاح حماس وانسحاب القوات الإسرائيلية وإعادة الإعمار، كما بقي مستقبل سلاح حزب الله وعلاقة لبنان بإسرائيل وإيران مفتوحاً على احتمالات عدة، وقد أكدت مفاوضات شهر آب المنصرم أن إسرائيل ما زالت تربط الانسحاب والتسوية بنزع سلاح حماس، في حين لم تتوفر صيغة نهائية قابلة للتنفيذ، لذلك فإن المنطقة لم تدخل بعد مرحلة ما بعد الحرب، وإنما مرحلة إعادة توزيع القوة بعد الحرب، وهي مرحلة قد تكون طويلة ومليئة بالأزمات.

ويكتسب ذلك أهمية إضافية مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول/أكتوبر والانتخابات النصفية الأمريكية في 3 تشرين الثاني/نوفمبر، فالحكومتان في واشنطن وتل أبيب تحتاجان إلى تحويل الحرب إلى إنجاز سياسي يمكن تسويقه داخلياً، لكن المشكلة أن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة والتكاليف الاقتصادية قد يتحولان إلى عبء انتخابي، وقد أظهر استطلاع Reuters/Ipsos في 23 آب تراجعاً كبيراً لشعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وحزبه الجمهوري، وهذا يجعل الأشهر المقبلة حساسة للغاية، لأن هامش المناورة أمام الإدارة الأمريكية سيصبح مرتبطاً ليس فقط بالاعتبارات العسكرية والاستراتيجية وإنما أيضاً بالحسابات الانتخابية، وستكون الجمعية العامة للأمم المتحدة، التي تبدأ دورتها الحادية والثمانون في 8 أيلول الحالي، إحدى أهم ساحات اختبار هذه التحولات. ومن المقرر أن تبدأ المناقشة العامة في 22 أيلول، ومن المرجح أن تكون ملفات إيران وغزة وأوكرانيا ومستقبل النظام الدولي وإعادة بناء سوريا حاضرة بقوة.

إقليمياً، كان أبرز أحداث آب توقيع السعودية وتركيا وباكستان في مكة في 7 آب اتفاق الدفاع المشترك، الذي ينص على اعتبار أي هجوم مسلح على دولة من الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، مع تعزيز التعاون الدفاعي، وتكمن الأهمية الحقيقية للاتفاق ليس فقط في نصه العسكري، وإنما في توقيته، فهو يعكس اتجاهاً متزايداً لدى قوى إقليمية إلى بناء قدرات أمنية ذاتية وعدم الاعتماد حصراً على الضمانات الأمريكية. ويوم أمس (في 31 آب) انتقل الاتفاق من مستوى الإعلان السياسي إلى مستوى البناء المؤسسي مع انعقاد أول اجتماع للجنة السياسية والدفاعية الاستراتيجية في إسطنبول والاتفاق على إنشاء أمانة عامة، وهذا قد يكون بداية نشوء إطار أمني إقليمي أوسع، خصوصاً إذا انضمت إليه دول أخرى مستقبلاً.

وفي تركيا، حمل شهر آب تطوراً مهماً في مسار السلام مع «حزب العمال الكردستاني»، فقد أقر البرلمان التركي في 10 آب قانوناً يوفر إطاراً قانونياً للتعامل مع عملية تفكيك الحزب وإعادة إدماج أعضائه، بما في ذلك تعليق أو مراجعة بعض الأحكام القضائية وفق شروط محددة، وتكمن أهمية القانون في أنه ينقل المسألة من مجرد إعلان سياسي عن إنهاء الصراع إلى محاولة إنشاء إطار قانوني لمرحلة ما بعد السلاح. لكن المشكلة الجوهرية ما زالت قائمة: فالقانون يتعامل أساساً مع نتائج الصراع الأمنية والقضائية، وليس مع جذوره السياسية والقومية، ولذلك فإن نجاح عملية السلام لن يتحدد فقط بمدى إنهاء النشاط المسلح، وإنما بقدرة تركيا على الانتقال من مفهوم «حل مشكلة أمنية» إلى «حل قضية سياسية وديمقراطية»، ومن دون إصلاحات ديمقراطية ودستورية تضمن الحقوق القومية للشعب الكُردي، يبقى خطر تحول السلام إلى هدنة طويلة قائماً.

وفي العراق وإقليم كوردستان، تزامن شهر آب مع استمرار الانسداد السياسي في تشكيل الحكومة العاشرة وإعادة تفعيل برلمان كوردستان، رغم مرور نحو عامين على انتخابات تشرين الأول/أكتوبر 2024، وقد استمرت الاتصالات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، من دون التوصل حتى نهاية شهر آب إلى اتفاق نهائي، فيما بقيت قضية توحيد البيشمركة إحدى القضايا الاستراتيجية الكبرى، ويكتسب ذلك أهمية أكبر في ضوء تقلص الوجود العسكري الأمريكي والغربي في إقليم كوردستان والعراق. فالانسحاب لا يعني بالضرورة نهاية التعاون الأمني الأمريكي مع إقليم كوردستان، لكنه يعني ضرورة الالتفات إلى تعزيز العامل الذاتي وعدم الاكتفاء بالحماية والدعم الغربيين الذين يشكلان عنصراً أساسياً في معادلة الأمن الكُردستانية، ولذلك تصبح قضية توحيد البيشمركة وبناء مؤسسة أمنية كُردية موحدة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

وفي هذا السياق جاءت زيارة رئيس إقليم كوردستان نيجيرفان بارزاني إلى دمشق في 3 آب ولقاؤه الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، وهي زيارة تحمل دلالة تتجاوز العلاقات الثنائية، لأنها تعكس انتقال أربيل ودمشق إلى بناء قنوات تعاون مباشرة حول الأمن والاقتصاد ومستقبل المنطقة الكُردية، ويمكن لهذا التقارب أن يكون عاملاً مساعداً في منع تحويل القضية الكُردية السورية إلى سندان للصراع الإقليمي، كما يمكن أن يفتح المجال لتنسيق أكبر في الحدود والتجارة واللاجئين والاستقرار الإقليمي.

أما سوريا، فقد شهدت خلال شهر آب أحد أكثر الأشهر أهمية منذ سقوط النظام السابق، فقد انتقلت عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية إلى مرحلة حاسمة بإعلان مظلوم عبدي في 25 آب حل البنية العسكرية المستقلة لقسد ودمج قواتها ضمن مؤسسات الدولة، قبل أن يعين الشرع عبدي مستشاراً رئاسياً في 28 آب، وهذا يمثل تحولاً تاريخياً في العلاقة بين الطرفين، لكنه لا يعني انتهاء القضية الكُردية؛ بل ينقلها من المجال العسكري إلى المجال السياسي والدستوري. ومن هذه الزاوية، كان القرار المتعلق بتعليم اللغة الكردية من أهم التطورات في آب، فقد أصدرت وزارة التربية في 27 آب القرار رقم 2068/943 الذي أتاح تدريس الكُردية باعتبارها لغة وطنية في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكُردية، بثلاث حصص أسبوعياً، وإدخال درجاتها ضمن المجموع، مع إتاحة الدراسة بالكردية أو العربية لبعض مواد الدراسات الاجتماعية خلال السنة الأولى. ويمثل ذلك تحولاً مهماً مقارنة بالماضي، لكنه لا يزال دون مستوى الاعتراف الدستوري الكامل بالشعب الكُردي وحقوقه القومية والسياسية، فاللغة وحدها لا تحسم قضية قومية، كما أن المناصب الإدارية والأمنية لا تعادل الاعتراف السياسي. فالاختبار الحقيقي سيكون في صياغة دستور جديد يعترف بالتعدد القومي والثقافي واللغوي في سوريا ويضمن المشاركة السياسية المتساوية، ويحول الحقوق الكُردية من قرارات تنفيذية قابلة للتعديل إلى حقوق دستورية ثابتة.

وفي سياق آخر كشفت قضية عودة مهجري سري كانيه/ رأس العين عن هشاشة مفهوم «العودة الآمنة». فقد حاولت أول قافلة تضم أكثر من 400 عائلة العودة في 10 آب بعد سبع سنوات من التهجير، لكنها تعرضت لاعتداءات ومضايقات، ما أدى إلى تعليق قوافل العودة إلى حين توفير ضمانات أمنية وقانونية حقيقة، وهذه القضية ليست إنسانية فقط؛ بل إنها اختبار مباشر لمفهوم المواطنة في سوريا الجديدة، فلا معنى للحديث عن دولة إذا لم يكن المواطن المهجر قادراً على العودة إلى منزله بأمان وكرامة واستعادة ممتلكاته دون تمييز.

وفي 9 آب أعادت سوريا وروسيا تعريف مستقبل الوجود الروسي في حميميم وطرطوس، بحيث استعادت دمشق إدارة المنشآت المدنية، بينما تحولت المنشآت العسكرية إلى صيغة مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، بما يعني أن موسكو لم تغادر سوريا لكنها انتقلت من نموذج القواعد ذات الامتيازات الواسعة إلى نموذج تعاون عسكري أكثر محدودية، وهذا يعكس بدوره محاولة السلطة الانتقالية تنويع علاقاتها الدولية وعدم الارتهان لقوة واحدة.

وكان القرار الأمريكي في 24 آب بإلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب وإلغاء تصنيف هيئة تحرير الشام ككيان إرهابي عالمي خطوة ذات أثر كبير، لأنها تزيل أحد أهم الحواجز القانونية أمام عودة سوريا إلى النظام المالي والاستثماري الدولي، غير أن رفع العقوبات وحده لا يكفي؛ فإعادة الإعمار تحتاج إلى استقرار سياسي، ومؤسسات دولة فعالة، وضمانات قانونية، ومشاركة حقيقية لجميع المكونات.

وبالنسبة إلى القضية الكُردية في سوريا، يمكن القول إن شهر آب حمل تطورات في مجال اللغة والاعتراف الثقافي، وانتهاء المرحلة العسكرية المستقلة لقسد؛ إلاّ أن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالحقوق القومية والسياسية واللامركزية والتمثيل الدستوري وضمانات المشاركة لم تُحسم بعد، ولذلك فإن الخطورة تكمن في عدم تحويل التحول العسكري إلى مكاسب سياسية ودستورية مستدامة. ومن هنا تبرز مسؤولية الحركة السياسية الكُردية، فاستمرار الانقسام الحزبي والتبعية للمحاور الكُردستانية المختلفة يضعف القدرة على التفاوض، وتحتاج المرحلة الجديدة إلى الانتقال من منطق التنافس الحزبي إلى بناء مرجعية سياسية قومية كُردية، واسعة التمثيل، تضم الأحزاب والقوى المجتمعية والشخصيات المستقلة وممثلي مختلف مناطق الوجود الكُردي، بحيث يصبح القرار السياسي الكُردي نابعاً من المصلحة الوطنية الكردية أولاً، وقادراً على التفاوض مع دمشق وبقية القوى الإقليمية والدولية من موقع أكثر تماسكاً.

في 1 أيلول/ سبتمبر 2026

الهيئة التنفيذية
لحركة آزادي الكُردستاني في سوريا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى